وهاهو ذا الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور يريد أن يحمل الناس على كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، ويوحدهم على رأي، فيقول له الإمام مالك:"لا تفعل! فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم ما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من قِبَل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإنَّ ردهم عمَّا اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار كل بلد لأنفسهم". قال الحافظ ابن عبد البر القرطبي:"وهذا غاية في الإنصاف لمن فهم".
ورحم الله الإمام الشاطبي، حيث يقول:"فإن الله حكم بحكمته أن تكون فروع الملة قابلة للأنظار، ومجالًا للظنون، وقد ثبت عند النُظَّار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف فيها، لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات؛ فلذلك لا يضر هذا الاختلاف".
إن الاستبداد خصلة لا يعجز عنها أحد في الغالب، وهو دليل على العجز والضعف. ولكن فتح أبواب المشورة، والتراجع عن الخطأ، واتساع الصدر للرأي المخالف، منزلة لا يرقى إليها إلا عباد الله المخلصون.
خلق الله أمة الإسلام أمة واحدة، وربط بينها برابط الأخوة الإيمانية، ووصل بينها بصلة الولاء التي لا تنقطع ولا ينبغي لها أن تنقطع. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات:10] ، وقال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة:71] . وفي حديث النعمان بن بشير في الصحيحين:""مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّىَ"."