فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 4219

فإن الإمارة أمر شديد، من لم يستطع الوفاء بلوازمها قد يتعرض يوم الحساب لنقاش دقيق، وكل إنسان خبير نفسه، ويفترض فيه أن يقدر تقديرًا صحيحًا قدرته الفطرية على قيادة قومه ومدى دخل الظروف المحيطة به وظروفه العائلية والمعاشية والصحية في أدائه لدوره، فمن ساق نفسه إلى رئاسة وهو يعلم أن في الجماعة أفضل منه وأمهر، وأنه سيسبب ضياع فوائد، ويعجز عن سد ثغرات محتملة: فقد ظلم.

ولهذا خاطبك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، يسألك الرفق بنفسك من غد لا تدري عظيم غضب الله عليك فيه، فقال:

(نفس تنجيها: خير من إمارة لا تحصيها) [1] .

إذ الإمارة تحتاج إلى إحصاء من أطرافها، ورعاية وحسن أداء، وأنها خزي وندامة يوم القيامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، ولا يصلح لها من كان على مثل ضعف أبي ذر رضي الله عنه ولو كان على مثل ما كان عليه من صدق اللسان وجمال العبادة.

وهذا المقدار هو من العلم الذي لم نر له في طلاب الرئاسة جاهلا، لكنهم يؤخذون ويفتق عليهم من باب التقليد والمحاكاة، وقول: ليس فلان أفضل مني: فإن أحدهم يرى التنافس في الرئاسة يشغل اقرانه، ويظل يرقب ما يشجر بينهم، حتى ينسى معاني علمه، ويتأثر بمنظر التنازع دون قول فقه الدعوة.

وإنما كان خبير الفتن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يتخوف من مثل هذا، ويعده باب ما بعده من الإرتكاسات، فقال:

(إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون) .

هذا من مجرد الرؤية والمراقبة، فكيف إن اجتمع معها ترغيب وتشجيع ووصف لذات وجدوها؟

لا شك أن مخالفة العلم ستكون أسرع، والاستجابة أكثر احتمالا.

ولذلك دعاك الزاهد يحيي بن معاذ إلى الاعتصام بميزان ثالث في هذا الموطن تميز به صدق الخطيب الذي يدعوك فجزم لك بأنه:

(لا ينصحك من خان نفسه) .

(1) الفوائد لابن القيم/145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت