كما أن روح التقليد عند الأتباع، المؤدية لاستيعاب الإملاء الذي يملي عليهم تضعهم في حالة انشداد للرؤساء، تتضاعف قوتها طرديا مع قابليات الرؤساء الفطرية، من ذكاء وشجاعة وقوة صبر على كثرة التحرك، ومع العوامل المساعدة لها، من تقدم في السن، أو قصة بطولة سابقة، أو نسب عريق، أو بلاغة لسان وقلم، إن لم يكن هناك شيء من التدليس وتسخير من يبث المدح لهم. ومن أجل هذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه مقالته المشهورة (أخوف ما أخاف على أمتى من عالم باللسان جاهل بالقلب) .
لكل ذلك لم يكن الفصل بين شخصيات قادة تجمع ما وبين تجمعهم كله سهلا ميسورًا وإن عدد له في الفكر بنودًا ودون لعلمه دستورًا، بل الصواب الذي ينبغي على المدعو لمناصرة جماعة ما أو دخولها أن ينظر الرؤساء، فإن وجد ثمة أسواء ومثالب ظاهرة أو يرويها الثقات عنهم:
توقف وتهيب وأخذ حذره، وأعرض عن كلام جميل يدور على ألسنتهم لعل الخدعة تقتضيه، كما اقتضت خدعة الصياد أن يقلد أصوات الطيور ويصفر بمثل صفيرها لتنزل وتحط على شباكه المنصوبة.
وقد يرد العكس على جماعة خير تنادت لصلاح تحت قيادة ثقات، مع أن انفرادها دون جماعة خير سبقتها يعد أمرًا مفضولا وليس فاضلا إن لم يكن لها مسوغ قوي يجيز تفردها، ولكن هذا العكس لا يرد أبدًا على جماعة فتنة، تناجت ونكثت بيعة وانحازت إلى جانب وقدمت بعض أهل الفضل لها صدورًا، إذ المقياس يختلف هنا، ولا تمحو فضائل متعددة هفوة النكث الواحدة، وغاية أمر الصدور: أن نحكم عليهم بأنهم بسطاء سذج وقعوا فيا لخلابة فصاروا لا يصلحون كقدرات وإن لم يتعمدوا الإساءة.