فيا معاشر الدعاة إذا أردتم أن تنفعوا وتنتفعوا فعليكم بالإخلاص، وإياكم والأخرى فتكون العاقبة: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود/15، 16) ، وقال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) (الفرقان/23) .
ليس المؤمن موجودًا في هذه الحياة لكنز الأموال ولا لتعمير الدور ولا لبناء القصور، وجمع الأثاث، والفرش، والخدم، والحشم، فيضيع في ذلك عمره، ويقضي فيه حياته، وإنما ينبغي أن تنصرف همته إلى ما هو أعظم من ذلك، وإن حصَّل من هذه الأمور شيئًا تقرب إلى الله به ولا يشغله عن وظيفته الأساسية وهي عبادة الله.
أما الدعاة فنفوسهم أعلى من أن تستميلها هذه الأمور، فيكفيهم من هذا ما يسد الخلة، وتنقضي به الحاجة وتحفظ به النفس من الاستشراف والتطلع إلى ما عند الناس، ولست أعني أن الداعي يجب أن يعيش معدمًا صفرًا، ولكن أعني أن يكون عالي النفس، عزيزًا، عفيفًا، فإن حصل له خير بكسب طيب فنعم المال الصالح للعبد الصالح، وقد عرف تاريخ الدعوة دعاة عظماء ذوي غنى كان مالهم عونًا لدعوتهم وخدمة للإسلام كعثمان، وابن عوف، والليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك - رضي الله عنهم - فالمال إن وجد للداعية فهو معين على الدعوة، وإلا سما بنفسه وعف عما في أيدي الناس.