ولسنا منك إلا بمنزلة الدليل، ويستطيع قلبك أن يزداد فقها لهذه القواعد بمقدار ما يحرص على المعنى الكامن في دلالتنا، دون طلب للفصاحة في الظاهر من ألفاظنا.
وهذا مبدأ في التفقه راسخ في العرف القديم قل أتباعه في الحاضر، وليست حاجة مجاوزيه له دون حاجة الأولين، ولقد وجدنا هماما من السلف يؤكده، فيوصيك أن: (لا تشتغل بالفصاحة والبلاغة، فإن ذلك شغل لك عن مرادك، بل افحص عن آثار الصالحين في العمل وواظب على الذكر) .
وقوله إيجاز جيد لوصف طريق الدعاية المسلم نحو الوعي.
الفحص عن آثار الصالحين في العمل أولا، وهي حروف محكمة متداولة في تعابير الأمس، تترجم في اللغة المعاصرة بدراسة تجارب الدعوة الإسلامية في العمل السياسي والتنظيمي والتربوي.
ولكن هذه الدراسة تستلزم خلفية من السكينة الإيمانية التي يطفى بردها حرارة التتبعات الدنيوية، وهي المواظبة على الذكر، المشار إليها ثانيا، وتشمل معان متكاملة، من الزهد، والإخبات، والتواضع، في سلسلة من العبادات القلبية، تبطئ بالداعية، لتمكنه خلال التأني من اعتدال التحليل، ودقة القياس، وصواب التعليل، مثلما تسرع به سموًا نحو اندفاعة جهادية.
فإذا اجتمعت المعرفة الإيمانية، مع الموازنة التجريبية: كان أمر الدعوة والداعية تامًا.
تبدأ مسيرة الداعية لاكتساب هذه السكينة الإيمانية القلبية بصراع مع الشيطان متواصل، معاندة له، وعصيانا لتزيينه، وإزاحة لتسلطه، حتى يجليه عن مواضع ستة يحتلها.
وتسمى هذه بمعركة المراغمة، قد كشف ابن القيم طبيعتها، ووضع خارطة موقعها، وبين المدارج التي يسلكها المؤمن لنيل النصر فيها على هذا العدو الذي يجري منه مجرى الدم.