والظلام يزحف تدريجيًا مع أشكال التراجع الثلاث هذه، فإن العاثر حين عثرته يكون رأسه أقرب إلى الأرض، ملتهيا بتخليص نفسه من هوية، فينقطع عن رؤية المنار حينا، والواقف يخدره السكون فتأتيه سنة أو نوم، فيغتمص جفنه، وشأن المضمحل أوضح، وبذلك يتحقق كون الرياء من ظلمات الفتنة، وكون الإخلاص من أنوار الفطنة.
وبسبب ظلمته هذه وصف زاهد الصحابة شداد بن اوس رضي الله عنه الشهوة التي تقترن به بأنهاخفية، فإنه، حين حضرته الوفاة وطلبوا منه وصية يودع خلالها خلاصة فقه في العمل قال:
(إن أخوف ما أخاف عليكم، الرياء، والشهوة الخفية) [1] .
أي أنها تتسلل مستغلة ظلام الرياء.
ومع هذا فإن الاستدراك في هذا الباب بسيط جدًا، فقد سئل التابعي طلحة بن مصرف عنه، فأرشد المرائي إلى أن يقول:
(اللهم اغفر لي ريائي وسمعتي) .
هذا فقط من لسان ندم.
فاستغفر مما كان من رياء لا تعلمه من نفسك، الله يعلمه، وأبدأ صفحة جديدة بيضاء.
(1) زهد ابن المبارك/ 393.