فهرس الكتاب

الصفحة 1754 من 4219

كل ممارس للعمل التربوي الإسلامي الحركي يلحظ لا بد ظاهرة سقوط البعض وتراجعهم، فأنت ترى داعية سالكاً مع السالكين، و تظن أنه سيثبت، و لكنه يخيب ظنك أثناء الطريق، بأن تصدمه رهبة أو رغبة، أو يستأسر لنداء نفس وهوى، فيغتر، و يستولي عليه التيه إدلالاً وامتناناً، فيصيبه الفتور.

وربما استعصى تعليل مثل هذه الظاهرة حيناً، ولكن تفرّسنا في أنفسنا، و التنقيب عن الفقه التربوي في آثار رجال التربية الأقدمين: بدأ يرينا ملامح من التفسير لها، إن وُعِيت حق وعيها لكان فيها بإذن الله ثبات القلوب، ولوُقِينا زلل الأقدام بعد ثبوتها.

· هو صفاء الابتداء

فأما الشاعر: فيشير إشارة عامة إلى تفسير مثل هذه الظاهرة، ويقول:

وكل امرئٍ - والله بالناس عالم - له عادة قامت عليها شمائله

تعوّدها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كل أمر أوائله

والشاهد فيه: الشطر الأخير، فكل أمر تغلب عليه الصفة التي بدأ بها.

ولكن أساتذة التربية الأوائل قربوا أدنى من الشاعر، فاتضح وانكشف لنا مذهبهم، بما فصّلوا وعينوا من معنى أوائل الأمور.

منهم من صاغ ذلك في حروف قليلة شاملة، فقال:"الفترة بعد المجاهدة: من فساد الابتداء".

ويريد بالفترة: الفتور.

فهو الابتداء إذن، أي الخطوات الأولى للداعية المسلم في طريق الدعوة الموصل إلى الله، تكون صحيحة، فيرتقي بلا فتور ونكوص، وإن فتر فبمقدار لا يتعدى أدنى ما أثر من سنّة النبي صلى الله عليه وسلم. وتكون معيبة هذه الخطوات، فيفتر و ينكص عن الارتقاء.

ولكن من أين يعترض الداعية الفتور إذا دفعه مربّوه بقوة أول مرة؟

و كيف لا يتسارع في يومه وغده سير من قطع به أمسه مرحلة نحو غايته؟

و من أيقن أنه يتبع رسولاً من أولي العزم، صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يستمد من عزمه؟

فهي الخطوات الأولى إذن: من جعلناها له متقنة: ثبتت بعد ذلك قدمه، بما يشاء الله، ومن تركناه يضطرب فقد أعطينا لشيطانه المقص يقطع به حبل ما بيننا و بينه، يتربص لذلك غفلة.

فإن لم يحصل الشيطان على المقص، وفاتته المفاجأة، فإنه يقنع بأن يمسك طرف الحبل يفلّ خيوطه بتدريج، ويلقي في نفس من اعوجت بدايته الدعاوي، ويريه قليل خيره وعمله كثيراً، حتى يستولي عليه الغرور والتطاول، فيرتكس هالكاً.

وهذه العقدة الثانية للشيطان أبصرها آخر من الصالحين، ووصفها يحذرنا، فقال:"إنما تتولد الدعاوي من فساد الابتداء، فمن صحت بدايته: صحت نهايته، ومن فسدت بدايته: فربما هلك".

بل يهلك في الأغلب، فإن مبني البداية على التجرد، فإذا حرم من صفائه في الأول فإن بنيانه يظل مهتزاً مهما شمخ عالياً، بل الخطر كل الخطر عليه في الحقيقة إذا شمخ، فإنه يسرع إلى التمايل عند كل نداء ببدعة أو دعوة لمغنم، لأن من شأن الشيطان أن يزين البدعة و يجملها، و أن من شأنه أن يستغل وقت الحاجة ليغري، ولئن تردد هذا الرجل الصالح فذكر مجرد الاحتمال و استعمل كلمة (ربما) ، ولئن تردنا فاقتصرنا على (الأغلب) ، فإن ثالثاً قد جزم بذلك فقال:"من لم يصح في مبادئ إرادته: لا يَسلم في منتهى عاقبته".

وما هو بنسيان منه لمشيئة الله تهدي و تثبت من يختار، ولكنه يتحدث عن تجربته في التربية، ويقدم تقريره عن نتائج تفتيشه واستقراء أحوال من عرفهم.

وهكذا تكون عنايتنا بالابتداء خطاً بارزاً ظاهراً في فنّناً التربوي الحركي.

· وهي النية الحرة

وإنما يعنون بصفاء الابتداء معنيين يتتابعان في توال، فيتلازمان: النية الصالحة، والهمة العالية، حصرهما البحتري في شطر مبين و سماهما:

نفس تضيء، وهمة تتوقد

و النفس المضيئة كناية عن النفس التي احتوت نية صافية، فهي تنير بما يكون لها من هذا الصفاء.

وهي: (النية الحرة) التي ذكرها البحتري أيضاً في بيت آخر، فأحسن الوصف وأجاد، فكأنها حرة مما يقيد غيرها، من الأهواء والأطماع والمصالح، لم يستعبدها درهم ولا دينار ولا جمال أنثى، ولم تكن رقيقاً لمنصب أو شهوة.

فالداعية لا يصدر قط عن شهوة، ولا طلب مصلحة، و إنما له في كل حركة وسكنة تطلعات إلى الأجر.

وكذلك كان الصالحون.

وبهذا الوصف وصف هشام بن عبد الملك ابن عمه عمر بن عبد العزيز الأموي رحمه الله فقال:"ما أحسب عمر خطا خطوة قط إلا وله فيها نية". ولذلك استطاع عمر في أقل من سنتين تقويم اعوجاج جيلين، وعلى داعية الإسلام اليوم أن لا يستكبر عظم الانحراف الذي عمّ بلاد الإسلام، فإنه - إن قَرن كل خطوة بنية مثل الراشد الخامس - سيهزم حزبين بإذن الله في أقل من سنتين.

و يتعاظم الخير في عقود المؤمنين مع الله كلما زاد تجردهم حين العقد، ولذلك رأت الدنيا عظم الخير في ولاية عمر بن عبد العزيز لما تجرد سليمان بن عبد الملك رحمه الله محض التجرد حين عقد له واستخلفه وقال:

"لأعقدنَّ عقداً لا يكون للشيطان فيه نصيب".

بل العمل الصغير بالنية يعظم، كما يشير عبد الله بن المبارك في قوله:"رُب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية".

ومعقود اللسان من الدعاة يصبح بالنية ناثراً من فيه جواهر البلاغة الآسرة للناس، كما ينص على ذلك طب عبدالقادر الكيلاني في قوله:"كن صحيحاً في السر: تكن فصيحاً في العلانية"

وأما المخلط في نيته فيخلط عليه في أموره وسيرته، كان ذلك في التاريخ على أهل التخليط حتماً مقضياً، وهو المعنى الذي كشفه التابعي الجليل مُطرَّف بن الصحابي الجليل عبد الله بن الشخِيّر العامري في قوله:"صلاح العمل بصلاح القلب، وصلاح القلب بصلاح النية، ومن صفا: صُفّي له. ومن خلط: خُلَّط عليه".

ونتيجة التخليط أن يضطرب القلب في فوضى تعدم السكينة، و"إن الخطأ الأكبر أن تنظيم الحياة من حولك، وتترك الفوضى في قلبك"، كما يقول مصطفى صادق الرفاعي.

فاعرف سياسة النفس هذه أيها الداعية، وأتقِن ولوجها قبل ولوج سياسة الحكم، فإنه:"فرض على العامل أن يعرف النية من الأمنية", كما قيل.

فهناك نية وهناك أمنية، والأمر كما قال يحيى بن معاذ:"لا يزال العبد مقروناً بالتواني , مادام مقيماً على وعد الأماني".

وما اختار أحدٌ الأماني تقوده إلا كان أثقل ما يكون خطواً، ووجد ثَم السراب الخادع، وعّدِم الماءَ وقت العطش، وأما المضيء النفس، ومن لا أمنية له من الدعاة، فإنك تجده سبّاقاً إلى كل خير أبداً، وتجده على ري دوماً فإنه إن كان ذا قوة: استقى لنفسه، أو استسقى، فيجيبه الله بهطل من السماء، وإن كان مستضعفاً: وجد وريثاً لموسى عليه السلام، يسقي له ويزاحم الرعاع.

· وهو قدم الهول

والهِمّة قرينة النية، فلا شيء بعد النية قبلها، وكل الاتقان بعدها، ومن أكسبها من المربين تلاميذه عند خطواتهم الأولى فقد ضمن لهم الاستمرار إن شاء الله , و قد قيل:"همتك احفظها، فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها: صلح له ما وراء ذلك من الأعمال".

ويمثل لها ابن القيم بمثل لطيف، فيقول:"مثل القلب مثل الطائر، كلما علا: بعد عن الآفات، وكلما نزل: احتوشته الآفات".

فكما أن الاستعلاء بالهمة يبقي القلب نظيفاً بريئاً من المعنى الخسيس مشغولاً بالعظام، فإنه أيضاً يقي القلب الآفات والأمراض وسهام الشيطان، كما تقي نهضة الجناحين الطائر سهام الصياد، و مهمة المربي المسلم: أن يعلم الناشئ هذه النهضة العالية في مبادئ محاولاته

و نهضة الجناحين هي بدورها كناية عن النفس التي احتوت تصميماً على حمل أثقال الدعوة إلى الله، فإن الجديد في سلك الدعوة إن فهم الدعوة في الأول مجرد تزكية نفس، و صحبة أخيار، وبث أشواق، وفرصة تكافل، فإنه يحجم عن إنكار المنكر على الظالم، و يستعصي عليه فهم معادلة ابن يزدانيار في الفراسة، والتي فهمها من قبله الرجال، ويرجع عن الزحف يوم الزحف و قائمة أعذاره تحت أحد إبطيه، أولها: أنه لم يُنذر بمثل هذا من قبل، ولا يحتوي هذا الشرط عقده، ولذلك حرص رجال التربية على أن تكون أول خطوة للسالك: خطوة هّول، كخطوة السبعين من قدماء الأنصار ساعة بيعة العقبة حين أخذوا على أنفسهم أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه نسائهم وأبنائهم وأموالهم.

فهو هول الجهاد، أو هول الإنكار، وليس ما في التجافي عن دار الغرور ذات الشهوات و التقليل من الأموال و الملذات بأقل من هذين الهولين.

فإن أحب الدنيا فإنما يحبها كحب محمد بن أحمد المعروف بابن رزقويه، ذلك الحب الذي يكشف عن همة عالية وراءه، والذي ترجمه مخاطباً تلامذته:

"والله ما أحب الحياة في الدنيا لكسب ولا تجارة، ولكن لذكر الله، ولقراءتي عليكم الحديث"

وإنما ذكر الحديث كمثل لجنس الصالحات التي يجب على الداعية أن يحب الدنيا لأجلها لا لغيرها.

وعن أجيال السلف أخذ جيل المجددين في هذا القرن فقه الهمة ففهم الإمام حسن البنا أن الداعية الهمام:"يبذل كل ماله، وكل دمه، وكل نفسه، في سبيل عقيدته التي آمن بها وعاش من أجلها".

لقد وصف الصالحون لنا سمات الابتداء لنأخذ بأحسنها، و لئن كان بعضنا ينسى، في ظروف غفلة، فإن الله خير الغافرين، وليس له أن يقعد بعد الذكر مع القوم الغافلين، وإن عنده لذخيرة من فقه الأولين تعينه على سلوك سبل الرشد الفجاج الواضحة الموصلة إلى رب العالمين.

وإن تقوى القلوب في الحقيقة هي التي تقود تقوى الجوارح، كما قال تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} . وقال: {لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (التقوى ها هنا) ، وأشار إلى صدره.

"فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية، مع العمل القليل، أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك، مع التعب الكثير والسفر الشاق، فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة، فيتقدم صاحب الهمة، مع سكونه، صاحب العمل الكثير بمراحل)"

· استعلاء .. ثمنه التعب

وإنما أرشدك الصالحون طريق الاستعلاء والسيادة بالنية والهمة، وعليك تعبه وركوب مصاعبه، وذلك: إن السيادة نهج واضح الوعر.

وليس أمرها بالهيَّن، وإنما هي قول ثقيل ألقاه الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أتباعه: يجب أن يسودوا.

ويمكن لهذا الثقل أن تخففه النية، فيتعاظم تأثير التعب القليل بصلاحها، كما أشار الذين وصفوا الابتداء، ولكن هداية القلب، وإضاءة النفس، ونهضات الهمة، إنما يذكيهن الجد، فمن أرادهن دائمات: أدام جده، وهو معنى قولهم: (استجلب نور القلب بدوام الجد)

فلا بد من الجد الدائم، لأن خواطر الفكر دائمة، وحركات الجوارح متصلة، فإن لم يكن الجد معهن دائماً: شغلهن ما هو دونه أو ضده، فيكون الهبوط من بعد الاستعلاء، يحذرك إياه عبد الوهاب عزام، و ينبهك أن:

"الفكر لا يحد واللسان لا يصمت، والجوارح لا تسكن. فإن لم تشغلها بالعظائم: شغلتها الصغائر."

و إن لم نُعمِلها في الخير: عملت في الشر.

إن في النفوس ركوناً إلى اللذيذ والهين، و نفوراً عن المكره والشاق، فارفع نفسك ما استطعت إلى النافع الشاق، ورضها وسسها على المكروه الأحسن، حتى تألف جلائل الأمور وتطمح إلى معاليها، وحتى تنفر عن كل دنية و تربأ عن كل صغيرة.

علمها التحليق: تكره الإسفاف. عرّفها العز: تنفر من الذل.

وأذقها اللذات الروحية العظيمة: تحقر اللذات الحسية الصغيرة""

· و أنت صاحب إيمان:

"وحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان، لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس، وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبداً وهو قاعد آمن ساكن، وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبداً بغير هذه الوسيلة، ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته، و بعاداته وطباعه وانفعالاته واستجاباته، ما لم يكن ليبلغه أبداً بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة."

وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ، وأول ما تفسد: فساد النفوس بالركود الذي تأسن معه الروح، وتسترخي معه الهمة، و يتلفها الرخاء و الطراوة، ثم تأسن الحياة كلها بالركود، أو بالحركة في مجال الشهوات وحدها، كما يقع للأمم حين تبتلى بالرخاء""

· وأتعب الناس من جَلّت مطالبه

· وأنت حر كريم

و"لا يرمي الحر الكريم إلا أن يبلغ الأمد الأبعد في كل ما يحاوله فلا يألو أن يبذل جهده إلى غاية الطاقة و مبلغ القدرة، مستمداً قوة من بعد قوة، محققاً السحر القادر الذي في نفسه، متلقياً منه وسائل الإعجاز في أعماله، مرسلاً في نبوغه من توهج دمه أضواء كأضواء النجم تثبت لكل ذي عينين إنه النجم لا شيء آخر"

· و أنت صاحب غاية:

و إنما يوصل الداعية إلى غايته:"شغفه بدعوته و إيمانه، و اقتناعه بها، و تفانيه فيها، وانقطاعه إليها بجميع مواهبة وطاقاته ووسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسة للدعاة"

· و أنت طالب نفوذ إلى الله.

و"طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة، بحيث يكون رأساً في ذلك مقتدى به فيه، يحتاج أن يكون شجاعا ًمقداماً، حاكماً على وهمه، غير مقهور تحت سلطان تخيله، زاهداً في كل ما سوى مطلوبه، عاشقاً لما توجه إليه، عارفاً بطريق الوصول إليه، والطرق القواطع عنه، مقدام الهمة، ثابت الجأش، لا يثنيه عن مطلوبه لوم لائم ولا عذل عاذل، كثير السكون، دائم الفكر، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائماً بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تستنفره المعارضات، شعاره الصبر، وراحته التعب"

· محنة الفراغ و الغفلة

و يجتمع هذا الكلام الحق ليقرر أن محنة الداعية المسلم لا تكمن في معارضة الكفر له، ولا في سجنه، و تعذيبه

و تجويعه، بقدر ما تكمن في استرخاء همته و التذاذه بالراحة.

ما محنة الداعية إلا لهوه وغفلته و جلوسه فارغاً، وربما زاد فينفتح له باب من اللغو بعد اللهو

تلك هي المحنة الحقيقية التي تفتعلها الجاهلية للدعاة بما تعرض للناس من مغريات و أسباب لهو تلفت أنظارهم إليها.

وما انتصار الداعية إلا في أن تعاف نفسه ما لا يؤثر في تقدم دعوته.

إن غفلة الداعية محنة لأنها صرفته عن نصر ممكن يحققه له الجد والعمل الدائب، وعن أجر وثواب أخروي ليس له من مقدمة إلا هذا الجد.

وسيظل اسمنا مكتوباً في سجل الغافلين الفارغين ما دمنا لا نعطي للدعوة إلا فضول أوقاتنا، وما دمنا لا نشغفها حباً ولا نتخذها حرفة.

إن الداعية المسلم لا يملك نفسه حتى يسوغ له أن يمنح نفسه إجازة، وإنما هو - كما شبهه بعض الأفاضل - (وقف لله تعالى) .

تماماً كنسخة من كتاب نافع حين توقف لله تعالى وتوضع في مسجد من مساجد الله، فكل داعية موقوف لله، في جزء من أجزاء دعوة الله.

و إن فضول الأوقات ليست قليلة و محدودة فحسب، و إنما هي أردأ ساعات اليوم، حيث يكون فيها الذهن و الجسم متعبين أشد التعب.

و ما تجاوز الأستاذ المودودي - رحمه الله - أعراف أجيال الدعاة حين صارحنا في تذكرته القيمة وقال:

"إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نارا متقدة تكون في ضرامها على الأقل مثل النار التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابناً له مريضاً ولا تدعه حتى تجره إلى الطبيب، أو عندما لا يجد في بيته شيئاً يسد به رمق حياة أولاده، ولا تزال تقلقه و تضطره إلى بذل الجهد والسعي."

إنه من الواجب أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة تشغلكم في كل حين من أحيانكم بالسعي في سبيل غايتكم و تعمر قلوبكم بالطمأنينة، وتكسب لعقولكم الإخلاص والتجرد والحنيفية وتركز عليها جهودكم وأفكاركم بحيث أن شؤونكم الشخصية و قضاياكم العائلية إذا استرعت اهتمامكم فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين. وعليكم بالسعي أن لا تنفقوا لمصالحكم وشؤونكم الشخصية إلا أقل ما يمكن من أوقاتكم و جهودكم، فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة وهذه العاطفة مالم تكن راسخة في أذهانكم، ملتحمة مع أرواحكم و دمائكم، آخذة عليكم ألبابكم وأفكاركم، فإنكم لا تقدرون أن تحركوا ساكناً بمجرد أقوالكم""

و لم يتجاوز حين كرر و قال ثانية أن:"اسمحوا لي أن أقول لكم أنكم إذا خطوتم على طريق هذه الدعوة بعاطفة أبرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وآبائكم وأمهاتكم فإنكم لا بد أن تبوءوا"

بالفشل الذريع، بفشل لا تتجرأ بعده أجيالنا القادمة على أن تتفكر في القيام بحركة مثل هذه إلى مدة غير وجيزة

من الزمان، عليكم أن تستعرضوا قوتكم القلبية والأخلاقية قبل أن تهموا بالخطوات الكبيرة""

إن من يطالب الآن بإلغاء الراحة فإنه إنما يستند إلى مادة واضحة في قانون الدعوة والدعاة سنها عمر الفاروق رضي الله عنه , تنطق بصراحة أن:

(الراحة للرجال: غفلة)

وجددها إمام المحدثين شعبة بن الحجاج البصري فقال:"لا تقعدوا فراغاً فإن الموت يطلبكم".

ذلك أن من أراد الراحة و السكون فإن الموت و القبر يزودانه منهما حتى يشبع. وكأننا - والله - قد أسرفنا في الغفلة، ولا بد من عزيمة نفطم بها نفوسنا عن اللهو.

إننا حين نثبت جواز التمتع بالمباحات فلكي يعلم من نخاطبه أننا لا ندعو إلى مثل الطريقة المبتدعة التي كان عليها بعض الزهاد من الجوع والعري والرهبانية، وإلا فلا يزال جواب ابن الجوزي يصلح جواباً لنا حين سأله سائل:"أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي؟"فقال:"عند نفسك من الغفلة ما يكفيها"

فإن اعترض معترض: أتيناه بمثل كلام ابن القيم حيث يقول:"لا بد من سِنة الغفلة، ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم"

فنحن لا ننكر ما في المعنى الحرفي لإطلاقات من عاب الراحة من إرهاق، وإنما نريد - كما أرادوا - تقليلها إلى أدنى ما يكفي الجسم، كل حسب صحته و ظروفه، خاصة وأن المؤمن في هذا الزمن أشد حاجة للانتباه و معالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية، ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، والرذائل تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء و سيوف الأمراء، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعاً مبصراً بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف، وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور، فضلاً عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها , فوجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب على السلف.

و ما أصدق تصوير إمام تركيا بديع الزمان سعيد النورسي - رحمه الله - لهذه الحقيقة حين يقول:"إن هذه المدنية السفيهة، المصيرة للأرض كبلدة واحدة، يتعارف أهلها و يتناجون بالإثم وما لا يعني، بالجرائد صباحاً و مساء، غلظ بسببها و تكاثف بملاهيها حجاب الغفلة، بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة".

فكن خفيف النوم أيها الداعية المسلم لتحصل لك هذه الهمة العظيمة.

و انته من رقدة الغفلة فالعمر قليل

و اطّرح سوف وحتى فهما داء دخيل

وعبر الصالحون عن هذه المعاني أحياناً بلفظ آخر سموه: حفظ الوقت، أو مراعاة الوقت.

فيرى الإمام البنا أن:"من عرف حق الوقت فقد أدرك قيمة الحياة فالوقت هو الحياة".

أو كما قال في خطبة المؤتمر الخامس:"إنما الوقت هو الحياة"يخالف بذلك قول الماديين: الوقت من ذهب. وكان - رحمه الله - يحب أن يتجاوز الداعية معرفة حق وقت يومه إلى التخطيط لصرف وقت غده، فينوي لكل ساعة نوع خير، و:"ينام على أفضل العزائم"

و ترك الفراغ، والاستيقاظ من رقدة الغفلة، معناهما التعب، ثم التعب، و استفراغ الوُسع في العمل لله. نطق بذلك الإمام الشافعي، ونفى أن تصح مروءة داعية يطلب الراحة، فقال:

"طلب الراحة في الدنيا لا يصح لأهل المروءات، فإن أحدهم لم يزل تعبان في كل زمان". ولما سئل أحد الزهاد عن سبيل المسلم ليكون من صفوة الله، قال:"إذا خلع الراحة وأعطى المجهود في الطاعة".

فالداعية الصادق يخلع الراحة، ويعود لا يعرفها، وتصبح عنده ذكريات شبابه الأول وصباه فحسب.

وأما الإمام أحمد فقد ترجمت سيرته في المحنة هذه الأوصاف عملاً، حتى قال لابنه:"يا بني: لقد أعطيت المجهود من نفسي"

يعني في المحنة , وبذلك حدَّ حدّاً لا يسع الداعية النقصان فيه ولا التخلف عنه، فعلى الداعية بذل المجهود من نفسه، و استفراغ كل طاقته في خدمة الدعوة.

طريق رسمه الإمام أحمد لا يسعنا أن نحيد عنه , ومقدار قدره للدعاة ليس لهم أن يقفوا دونه نصيباً مفروضاً، هو: المجهود من النفس، وعلامته حين المحن: الصبر على الأذى حتى الموت. وعلامته في حياتك اليومية: أنك إن جئت إلى فراشك ليلاً لتنام وجدت لركبتيك أنيناً، و في عضلاتك تشنجاً، لكثرة ما تحركت في نهارك.

وإنما نسميه التعب، والأنين، و التشنج، لغرض تفهيم الداعية الجديد، لأن هذه الاصطلاحات هي لغة أهله و عموم الناس الذين تركهم من قريب، و أما في لغة الدعاة فهو محض اللهو الذي تهفو إليه نفوسهم، و عنهم نقله البحتري في وصفه لممدوحه حين يقول:

قلب يطل على أفكاره، ويدٌ تمضي الأمور، ونفس لهوها التعب

ومن لا يعلم موازين المؤمنين يظن ذلك حرماناً من لذة، وخداع ألفاظ، و غواية اتباع الشعراء، ولكن من أوتي علم الكتاب يعرف أن الراحة الحقيقية: راحة الآخرة، لا راحة الحياة الدنيا، ولذلك لما قيل للإمام أحمد:"متى يجد العبد طعم الراحة؟"

قال:"عند أول قدم يضعها في الجنة"

و لما تعجب غافل من باذل وقال له:"إلى كم تتعب نفسك؟"

كان جواب الباذل سريعاً حاسماً:"راحتها أريد"

"فالطالب الصادق في طلبه كلما خرب شيء من ذاته: جعله عمارة لقلبه وروحه. وكلما نقص شيء من دنياه: جعله زيادة في آخرته. وكلما منع شيئاً من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته. وكلما ناله هم أو حزن أو غم: جعله في أفراح آخرته"

و من لمح فجر الأجر: هان عليه ظلام التكليف، كما يقول ابن الجوزي.

و لعمرو الله ما هو بظلام، ولكنها لغة اضطر لها كما اضطررنا ليعقل مراده الراقدون.

فهرس المحتويات

فهرس المحتويات 6

المقدمة 9

1 -أسباب النصر وأصول التمكين 12

2 -وصايا و توجيهات للدعاة 23

3 -من سن في الإسلام سنة حسنة 31

4 -وسائل الدعوة إلى الله تعالى في المسجد النبوي عبر التاريخ 33

5 -وقفات للدعاة والداعيات 39

6 -وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 46

7 -نساء أميات .. صالحات مصلحات! 52

8 -الدعوة بالمراسلة 54

9 -إليكم يا شباب الصحوة ... هذا دوركم 60

10 -دور الشعر في مسيرة الدعوة الإسلامية 66

11 -لا تيأس 77

12 -كيف تنجح المرأة الداعية؟؟ 83

13 -هنيئاً أيها المعلم 88

14 -إلى كل داعية اجلس مع داعية 92

15 -كيف تكسب الآخرين 93

16 -أفكار لإحياء دور المسجد في المجتمع 94

17 -الموعظة بالإكراه! 100

18 -البلاغ المبين 103

19 -صبرا يا دعاة الإسلام 108

20 -الدعاة وأعراف المجتمعات 110

21 -غرور التدين .. آفة تصيب الدعاة 114

22 -حتى تخرج دعوتك من دائرة رد الفعل 119

23 -زوجة الداعية 126

24 -رسالة إلى كل مسلم ملتزم 128

25 -رسالة إلى الدعاة 130

26 -الحرص على الدعوة 133

27 -كيف تقوم برحلة دعوية (أفكار ومقترحات) 134

28 -همة نحيي بها الأمة 139

29 -وسائل وأفكار للدعوة في المسجد 141

30 -الموعظة أسلوب من أساليب التأثير والدعوة 145

31 -اختبر مدى التزامك 146

32 -حواء و الصلاة 149

33 -المتربصون 151

34 -الدعوة إلى الله 153

35 -تكرار المشروعات الإسلامية: رؤية نقدية 160

36 -الحق لا يعرف بالكثرة ولا بالرجال، ولكن بالأدلة والآثار 169

37 -الخطاب الإسلامي وعصر المجتمعات 172

38 -رمضان شهر الدعوة 177

39 -أفكار دعوية للأبناء بالحاسب الآلي 181

40 -أبواب الخير والثواب في الإنترنت 182

41 -إنَّه أمر الله 184

42 -هموم مدعو 186

43 -كن ولا تكن 187

44 -الثمر الطيب المقطوف في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف 189

45 -121 وسيلة دعوية 204

47 -44 طريقة لنشر الخير في المدارس 248

48 -برنامج عملي لدعوة الأقارب 262

49 -كيف تقوم برحلة دعوية (أفكار ومقترحات) 275

50 -ماذا حصل عند الإشارة؟؟ 279

51 -وسائل دعوية وتربوية موجهة .. للعائلة خلال الإجازة الصيفية 280

52 -من سنن الاجتماع والجماعات 287

53 -كيف تصنع رسالة دعوية 288

54 -برنامج رائع للمرأة المسلمة فقط 292

55 -أئمة المساجد .. ومسؤولية التوجيه 295

56 -استقامة الداعية 299

57 -مطلبان للدعاة 303

58 -ثغرات خفية 307

59 -آية فيها عشرون خطبة 309

60 -آخر يوم في حياة الداعية 314

61 -رويدك يا أنجشة!! 315

62 -أنشطة مقترحة للعطلة الصيفية 318

63 -المشروع الدعوي الصيفي لهذا العام 324

64 -رسالة إلى الخطيب المسلم 326

65 -من هموم الدعوة 330

66 -الرحلات ... وسيلة دعوية .. فكيف نستفيد منها! 331

67 -شروط الدعوة إلى الله 340

68 -محاولة لرسم سمات ومعالم ثقافة الإمام الداعية 342

69 -المنهج الدعوي 352

70 -الدعوة فقه و أساليب 354

71 -الدعوة إلى الله بالمراسلة 358

72 -الكلمة القصيرة بعد الصلاة في سطور 361

73 -أحسن القول 364

74 -كيف تدعو إلى الله تعالى في مناسبات الزواج؟ 367

75 -أحسن القول 377

76 -فقه الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية 379

77 -الأسرة السعيدة والدعوة إلى الله 384

78 -وصايا للداعية الجديد 386

79 -لماذا تكتبون؟ 401

80 -اصنع البديل لكي تصلح الجيل 403

81 -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 404

82 -الشريط الداعية 409

83 -أدوار ونشاطات إمام المسجد وجماعته في الإجازة 410

84 -حيل أهل الباطل لفتنة الدعاة 412

85 -وسائل وطرق الارتقاء بأبنائنا الطلاب في المرحلة المتوسطة والثانوية 417

86 -الإصلاحيون والخطاب الدعوي المنقوص 423

87 -معالم دعوية 427

88 -أهمية الواقعية والمعاصرة في موضوعات الخطيب 431

89 -العوائق أولا 440

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت