فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 4219

قال تعالى: (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) ) [الأنعام:38] .

قال سفيان بن عيينة: ما في الأرض آدميٌّ إلا وفيه شَبَهٌ من البهائم؛ فمنهم مَن يهتصر اهتصار الأسد، ومنهم من يَعْدُو عَدْو الذئب، ومنهم مَنْ ينبح نُباح الكلب، ومنهم مَن يتطوَّس كفعل الطاووس، ومنهم مَن يُشبه الخنازير التي لو أُلقي إليها الطعام الطيب عافته، فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه، فلذلك تجد من الآدميين مَن لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، وإن أخطأ رجل تروَّاه وحفظه.

قال الخطابي: ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة! وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمُه مُطاوعًا لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله عن وجود المُماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة، وذلك مُمتنِعٌ من جهة الخلقة والصورة، وعَدَمٌ من جهة النطق والمعرفة؛ فوجب أن يكون مُنصرفًا إلى المُماثلة في الطباع والأخلاق. (انتهى كلامه) .

والله سبحانه قد جعل بعض الدوابِّ كسوبًا مُحتالًا، وبعضها متوكِّلًا غير مُحتال، وبعض الحشرات يدَّخر لنفسه قوت سنته، وبعضها يتَّكل على الثقة بأن له في كل يوم قَدْر كفايته رزقًا مضمونًا وأمرًا مقطوعًا، وبعضها يدَّخر، وبعضها لا تكسُّبَ له، وبعضها يؤثر على نفسه، وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمَّة من جنسه لم يدعْ أحدًا يدنو منه.

وهذا كله من أدلِّ الدلائل على الخالق لها سبحانه وعلى إتقان صُنْعه، وعجيب تدبيره ولطيف حكمته، فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض الحِيَل وحسْن التدبير والتأني لما تريده، ما يستنطق الأفواه بالتسبيح، ويملأ القلوب من معرفته.

طهارة النحل وقذارة قوم لوط

يقول ابن القيم:"في النحل كرامٌ عمال، لها سعيٌ وهِمَّة واجتهاد، وفيها لئامٌ كسالى، قليلةُ النفع، مُؤْثِرةٌ للبطالة، فالكرام دائمًا تطردها، وتنقيها عن الخليَّة، ولا تُساكنها؛ خشية أن تُعدي كرامها وتُفسدها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت