إن عاش الشافعي حتى رأى من يرد نصيحته، فإن التابعين في الجيل الذي قبله، كانوا يبادئون بالسؤال مبادأة، يرجون الإصلاح. فعمر بن عبد العزيز كان يقول لمولاه مزاحم: (إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها، أو فعالا لا تحبه، فعظني عنده، وانهني عنه) [1] .وكان سيد تابعي الشام بلال بن سعد يقول لصاحبه عبد الرحمن بن يزيد: (بلغني أن المؤمن مرآة أخيه، فهل تستريب من أمري شيئا؟) [2] وأصرح منهما: ميمن بن مهران قدوة أهل الجزيرة، فإنه عرض نفسه على جمع من أصحابه وقال لهم:
(قولوا في ما أكره في وجهي، لأن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهة=ه ما يكره) .
هذا فعل الصالحين.
هو .. أو السماح للعيوب بالتراكم.
ولداعية اليوم في فعلهم موعظة ونور وبلاغ، ولا بد له أن يخرج من الفتن التي من حوله بأسئلة عمرية ميمونة، تبعث سمت الاتباع ذاك وتعيده حيا، فأنه لولا كبرواعتداد رأيناهما لعقل مقدمات الفتن المندرسة جيل من المغرورين كثير عددهم، بطحتهم لوجوههم تباعًا، وأخذتهم أخذة رابية، وكان من الممكن أن ينجوا منها لو أعطوا نم أنفسهم أذنا صاغية، لكنهم كانوا قوما يصدون.
وذهبت فتنتهم، وثبت الأجر للثابتين، وبقي طريق العمل الواسع اللاحب.
(1) عيون الأخبار لابن قتيبة 2/ 18.
(2) زهد ابن المبارك/485.