ولما طلبوا من أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يكلم بعض الأمراء حول أمر ضجروه منه قال:
(إنكم لترون أني لا أكلمه؟
إلا أسمعكم أني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه؟) [1] .
فأخبرهم أنه لم يغفل عن ذلك، وأنه كلمه، ولكن في السر، خوفا أن يستغل أهل الأهواء كلامه، فيتخذونه ذريعة إلى الفتن والمفاسد.
فلهذا يسمي هذا النور: نور أسامة، وما زال يتولي إيقاده من دعاة اليوم كل أسامة.
فإنما يسألك الله عن فصاحة قلبك لا فصاحة لسانك، ولا شك أنها مسألة نسبية مسألة اللسان، فليس أحسن وأبلغ من سكوت إذا كثر اللغط، ولا أجمل من كلام الناصح الآمر بالمعروف إذا أصلح.
فالمؤمن:
(يحسبه الجاهل صميتا عيبا، وحكمته أصمتته، ويحسبه الأحمق مهذارًا، والنصيحة لله أنطقته) .
وهو ذاك النموذج الذي رآه الشاعر:
ضحوك السن: إن نطقوا بخير
وعند الشر: مطراق عبوس
تكلم وسدد ما استطعت فإنما
كلامك حي والسكوت جماد
فإن لم تجد قولا سديدا تقوله
فصمتك عن غير السداد سداد
وهذا هو عين الصلاح الذي أراده الصالحون لكل لسان، فمن صلح لسانه عندهم، أي نطق بالخير وسكت حين الفتن: صلح عمله كله، وفي ذلك كان التابعي يونس بن عبيد يقول:
(خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سواهما: أمر صلاته، ولسانه) .
ثم زاد فقال:
(ما صلح لسان أحد إلا وصلح سائر عمله) فهو المفتاح المبارك، ولود الخيرات، من أصلحه تفتحت فيه البصائر، وهجر الكبائر والصغائر.
ولذلك كثير كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيان أهمية اللسان، وجعل سكوته في موطن الشبهة ترجمة الإيمان، فقال:
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) وفي لفظ: (أو ليسكت) [2] .
(1) صحيح البخاري 4/ 147.
(2) صحيح البخاري 8/ 125، صحيح مسلم 1/ 5.