أيسيل صدرك من جراحتهم وتعطيهم سلاحك
لهفي عليك، أهكذا تطوى على الذل جناحك
ولم يقل غير الحق ولا وصف غير الواقع، ولكن وعيه هو الوعي السلبي المفضول، ويقابله وعي داعية مبادر، كله إيجابية واستدراك، قد تيقن أن الشعب ضحية تربية أرادت له الاستكانة وحرمته قواعد التمييز، فهو في حث لهم، واستنهاض وتجميع، وتربية، وتنظيم، ليكتسح بهم منازل السفهاء ووكر كل رويبضة، فيطفق يعلمهم مع رشيد مغزى التكبير العاصف بالطواغيت، ويلقنهم الهتاف ..
فتية الإسلام إن باغ تجبر فاصرخي في وجهه: الله أكبر
وإذا الغادر عن لؤم أشاحا فأطلقوها صرخة: الله أكبر
ومن القرآن فلنقبس هدان كبروا يا إخوة: الله أكبر
يد عزم بيد أخرى سننصر فيدوي عزمنا: الله أكبر
ثم يقف بهم على ثنية ثانية، وفي صعدة أخرى، من بعد ما بين لهم نظام العمل الجماعي، ونهج الحكم الإسلامي، ويدع للرافعي المنبر، ليشدد عليهم، ويزيد نظرية تأثير التكبير تأكيدًا، فيدوي صوته ...
(لا تضطربوا .. هذا هو النظام.
لا تنحرفوا .... هذا هو المنهج.
لا تتراجعوا ... هذا هو النداء.
لن يكبر عليكم شيء ما دامت كلمتكم الله أكبر) [1] .
إن الشعوب قد طوت على الذل جناحها، وسلمت سلاحها، وهي التي جرحت نفسها إذا رضيت بالمخادعين، حكامًا، ولو كان منطقنا دنيويا لوقفنا موقف العتاب والتقريع للشعوب، ولكنه واجب شرعي كلفنا الله به: أن نزيل هذه الطواغيت، وأن نكون نحن المصلحين لإفسادها، الوارثين من بعدها.
وهو الذي كان عليه أكثر الصحابة، وأجيال الفتوح الأولى من التابعين، والذين أرسوا قواعد العلم منهم ومن أتباعهم، وعمر بن عبد العزيز وجماعته الذين جددوا الأمر، وأحمد بن حنبل ورهطه الذين تصدوا للبدع، والمجاهدون من الفقهاء، والدعاة الذين تركوا في مقالتهم قصصا فيها تذكرة لأولى الألباب.
(1) وحي القلم 1/ 360.