إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحمون فيه"هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه البخاري ومسلم رحمهما الله. وفي رواية:"أنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، فتقتحمون فيها"صححها الألباني في صحيح الجامع."
لم تكن هذه مجرد كلمات لوصف حال، وإنما زفرات حري، خرجت من أصدق قلب، لبيان أشرف مهنة ومقصد عرفه الوجود.
إنها صورة الدعاة إلى الله حين يرون الناس يقتحمون النار بانصرافهم عن الله وبعدهم عنه، فيتحركون ليمنعوهم عنها ويحجزوهم منها، ضنا منهم على هذه النفوس أن تذهب إلى النار.
ولا يمكن لدعاة الحلق أن يحققوا ذلك إلا بالحركة إلى الخلق، ودعوتهم حيث كانوا، وغشيان مجالسهم، وحضور مجتمعاتهم، والذهاب إليهم حيث كانوا، لا بالجلوس والخلوة وانتظار مجيء الناس إليهم، فإن أئمة الدعاة من السلف الصالح كانوا يسيحون في الأرض لنشر الدعوة وتبليغها، يبادؤون الناس بالكلام ويحتكون بهم احتكاكًا هادفًا ولا ينتظرن مجيء الناس إليهم ليسألوهم.
إن هذه الحركة لدعوة الخلق لا يشمر لها العبد إلا إذا استشعر ابتعاث الله له ـ هو بعينه ـ لإنقاذ الناس، وهداية قلوبهم، وإنارة بصائرهم، كما قال ربعي بن عامر:"إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة". فاستمع إليه وهو يقول:"ابتعثنا لنخرج"وانظر إلى ما فيها من إحساس بعظم الأمانة على عاتقه وعواتق أصحابه وشعورهم بأنهم هم المكلفون بها دون غيرهم.
ومن دون أن يستشعر الدعاة هذه المسؤولية فالأصل الركود والخمود والعزلة المذمومة. يظن الواحد أنه ينأى بنفسه عن المنكر وهو واقع فيه .. يقول الغزالي رحمه الله:"اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليًا في هذا الزمان عن منكر، من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف. فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد (المدن) ، فكيف في القرى والبوادي".