* ومنه نوع رابع غريب، فإن بعض من يتمكن منهم العجب، ويرون افتضاح أمرهم، يلجأون إلى ذم أنفسهم أمام الغير، ظنا منهم أن الذم سيؤدي إلى اعتقاد المقابل بعدهم عن العجب وما دروا أن التواضع منحة ربانية لا تفتعل افتعالا، وإنما تتنزل على من يعلم الله صدق توجهه، وقد كشف الحسن البصري أمر هؤلاء، وأكد لنا أن:
(من ذم نفسه في الملأ فقد مدحها، وذلك من علامات الرياء) .
ومنه نوع خامس أكثر غرابة، إذ يسخر الشيطان لعاشق المدح من يقوم بدور متوسط، فهو لا ينصحه، يخاف أن تتجدد ثورته، ولا يمدحه، يخاف أن ننكر عليه، بل يلجأ إلى ذكر عيوب أقرانه الآخرين، يرمي زيدًا بالسذاجة، وعمرًا بالدنيوية والكسل، فتهدأ النفس الثائرة، وتطرب من جديد، ونرى فيها صورة واقعية تصدق الفضيل حين يقول:
(إن من علامة المنافق أن يفرح إذا سمع بعيب أحد من أقرانه) .
الكيس من دان نفسه دائمًا، واتهمها بالتقصير، ورأى أن ما يعمله مهما كثر قليل بجانب حقيقة شكر الله. وأحد السبعة الذين يظلمهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل تصدق بيمنه صدقة لا تعلمها شماله، ومثله الذي يفتح الله على يديه بالأعمال الصالحة لا يعلمها إلا قليل، ويراها المسلمون فلا يعرفون صاحبها والدعاة يهتفون من أول يومهم أن: الله غايتنا. فما ضرهم أن يحشروا مع قتلى نهاوند الذين لا يعرفهم الناس، بل الله يعرفهم. يقول مدرك بن عوف الأحمسي: (بينا أنا عند عمر رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رسول النعمان مقرن، فجعل عمر يسأله عن الناس، فجعل الرجل يذكر من أصيب الناس بنهاوند، فيقول: فلان بن فلان، وفلان بن فلان، ثم قال الرسول: وآخرون لا نعرفهم. فقال عمر رضي الله عنه: لكن الله يعرفهم) [1] .وفي لفظ آخر:
(ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم) [2] .
(1) الخراج لأبي يوسف/35.
(2) مجلة (المسلمون) /35.