ولا يضر الداعية أن يتوقف في المسائل المشكلة التي لم يتبين فيها وجه الصواب، أو لم يحضره الدليل، فلا شيء يعدل السلامة، فيسعه ما وسع غيره من أهل العلم، بل الجهابذة من العلماء كانوا يتوقفون في المسائل التي لا يحضرهم الدليل فيها، ويقولون: لا نعلم، وجعلوا من نصف العلم قول"لا أعلم"حتى إن التوقف في المسائل الفروعية مذهب مرتضى يذكره الفقهاء في كتب الخلاف.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله.
وقال مالك رحمه الله: كان يقال: إذا أَغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله.
وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين، وسيد العالمين، يُسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء.
وقال الشعبي رحمه الله: لا أدري نصف العلم.
وقال أحمد رحمه الله في رواية المروذي: كان مالك يُسأل عن الشيء فيقدم ويؤخر يتثبت، وهؤلاء يقيسون على قوله ويقولون: قال مالك.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: مِنْ علم الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ لأن الله عز وجل قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (1) .
وقال الإمام أحمد رحمه الله في رواية المروذي: ليس كل شيء ينبغي أن يتكلم فيه، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كان يُسأل فيقول: لا أدري حتى أسأل جبريل» .
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد رحمهما الله تعالى: سمعت أبي يقول: كان سفيان لا يكاد يفتي في الطلاق ويقول من يحسن ذا؟! من يحسن ذا؟!
وقال في رواية أبي الحارث: وددت أنه لا يسألني أحد عن مسألة، أو ما شيء أشد علي من أن أسأل عن هذه المسائل.
وقال سفيان رحمه الله: لقد كان الرجل يُستفتى فيفتي وهو يرعد.
وقال أيضًا: من فتنة الرجل إذا كان فقيها أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت.
وقال المروذي رحمه الله لأبي عبد الله: إن العالم يظنونه عنده علم كل شيء، فقال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون.
وكان الإمام أحمد رحمه الله ينكر على من يتهجم في المسائل والجوابات ويقول: ليتق الله عبد، ولينظر ما يقول، وما يتكلم، فإنه مسؤول.
ونقل محمد بن أبي طاهر رحمه الله عن الإمام أحمد أنه: سئل عن مسألة في الطلاق، فقال: سل غيري، ليس لي أن أفتي في الطلاق بشيء.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدم وإلا فلا يفتي.
وقال أيضا رحمه الله: من تكلم في شيء ليس له فيه إمام أخاف عليه الخطأ.
قال ابن أبي ليلى رحمه الله: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتوى.
وقال مالك رحمه الله عن القاسم بن محمد: إن من إكرام المرء لنفسه ألا يقول إلا ما أحاط به علمه.
وقال سعيد بن جبير رحمه الله: ويل لمن يقول لما لا يعلم إني أعلم.
وقال ابن مهدي رحمه الله: سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة فطال ترداده إليه فيها، وألح عليه، فقال: ما شاء الله يا هذا! إني لم أتكلم إلا فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه.
وقال ابن وهب رحمه الله: سمعت مالكا يقول: العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق، وكان يقال: التأني من الله والعجلة من الشيطان.
وقال محمد بن المنكدر رحمه الله: العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم.
وقال يحيى بن سعيد رحمه الله: كان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتيا، ولا يقول شيئا إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني.
قال ابن معين رحمه الله: الذي يحدث بالبلدة وبها من هو أولى منه بالحديث فهو أحمق.
وقال أيضا: إذا رأيتني أحدث في بلدة فيها مثل علي بن مسهر فينبغي للحيتي أن تحلق، وأمر يده على عارضيه.
وقال سفيان رحمه الله: أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا، حتى لا يجدوا بُدًّا من أن يفتوا.
وقال: أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم فيها.
وبكى ربيعة رحمه الله، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم.
يقول الشعبي رحمه الله: والله، إني لأستحي أن أعرف الحق ثم لا أرجع إليه.
وقد يستغرب القارئ الكريم من كثرة نقلي عن السلف في هذا الأمر، وغرضي من ذلك إيقاف القارئ على حال السلف، رضوان الله عليهم أجمعين، وخوفهم من الفتوى، وهروبهم عنها، وتمنيهم لو أنهم كُفُوا من غيرهم، بخلاف ما نحن عليه في هذا الزمان من الجرأة العجيبة على الفتوى، والتقول على الله بغير علم من جهال لم يفقهوا، وجذعان لم يقرحوا، وأيضا التسرع لدى كثير من طلبة العلم في إصدار الفتاوى والأحكام من دون روية ولا دراسة، وقد تكون بعض الأحكام التي توصلوا إليها على صواب بحثا، لكن قد يكون من المصلحة كتمانها، أو تأخير وقت إعلانها، أو غير ذلك مما يدركه أهل الفقه والدين، فنحن في وقت لسنا بحاجة فيه إلى بيان ضرورة التصدر والتعليم؛ لكوننا مبتلين بالتجاوز فيه، فلدينا جرأة غريبة على القول بالتحليل والتحريم من أناس قد يفتقدون إلى أبجديات العلم، فالحاجة ملحة إلى بيان خطورة الفتوى، والتسرع فيها، وبيان عواقبها.
إن مسلمًا نودي بالسير مع الهمم العالية، فانتفض، و أفلت من قيود الأرض، وحلق بجناح العزة: هو مسلم حري به أن يتم انتفاضته بخطوة تميز واضحة.
أو كما قال سيد رحمه الله: إن"أولى الخطوات في الطريق أن يتميز هذا المنهج و يتفرد، ولا يتلقى أصحابه التوجيه من الجاهلية الطامة من حولهم، كيما يظل المنهج نظيفًا سليمًا، إلى أن يأذن الله بقيادته للبشرية مرة أخرى"... وهذا يعني قيام مفاصلة شعورية وفكرية في ضمير المسلم، ينفصل فيها التحديد الإسلامي الواضح للمعاني الثلاثة المهمة المكونة لكل منهج، وهي: معنى الوطن، ومعنى الحاكم، ومعنى الدستور، عن الاطلاقات الجاهلية في تفسيرها، وعما بعد الإطلاق من اختلاف اجتهادات العقول. فالأمة الإسلامية قد حدد الله تعالى مقوماتها، و جعل:"الجنسية فيها هي العقيدة. والوطن فيها هو دار الإسلام. والحاكم فيها هو الله. والدستور فيها هو القرآن."
هذا التصور الرفيع للدار و للجنسية و للقرابة هو الذي ينبغي أن يسطر على قلوب أصحاب الدعوة إلى الله، و الذي ينبغي أن يكون من الوضوح بحيث لا تختلط به أوضار التصورات الجاهلية الدخيلة، ولا تتسرب إليه صور الشرك الخفية. الشرك بالأرض، والشرك بالجنس، والشرك بالقوم، والشرك بالنسب، والشرك بالمنافع الصغيرة القريبة""
وحملة الإسلام إنما ينطلقون بهذا المفهوم الإسلامي الواضح، ويعلنوه، دونما ملاطفة لأفكار الكفر الأرضية، ولا مهادنة، ولا محاولة استرضاء. وإنه لأمر جازم من الله لهم أن: {ادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون} .."ولن يرضى الكافرون من المؤمنين أن يخلصوا دينهم لله وأن يدعوه وحده دون سواه، ولا أمل في أن يرضوا عن هذا مهما لاطفوهم أو هادنوهم أو تلمسوا رضاهم بشتى الأساليب. فليمض المؤمنون في وجهتهم، يدعون ربهم وحده ويخلصون له عقيدتهم، ويصفون له قلوبهم. ولا عليهم رضي الكافرون أم سخطوا، وماهم يومًا براضين"
فما دامت هذه النتيجة حتمية، وأن الكافرين لن يرضوا عن المؤمنين، فليسلك الدعاة إذن ما يناسبها من مقدمات ترد على تمرد الكفر و رفضه الإيمان.
ولن يكون هذا الرد غير التميز، و الانفصال عنه.
طالما أنه ليس هناك لقاء، فإن المنطق يقتضي الانفصال إذن , كما فاصَلَ النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش في العهد المكي، و كما فاصل كل القبائل بعد الهجرة. ولم تكن تلك المفاصلة النبوية الكريمة مجرد اضطرار لجأ إليه في حقبة تاريخية تبدو لنا آخذة دورها في تسلسل تاريخ الدعوة النبوية، و إنما كانت حقيقة إيمانية و دلالة نعمة ربانية، من شأنها أن يلتفت لها المؤمنون. و تلمس هذا في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكرهم بها، و يتخذها عاملًا تربويًا للذين معه، فيقول لما صلى بهم يومًا صلاة العشاء قريبًا من نصف الليل: (أبشروا أن من نعمة الله عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلي هذه الساعة غيركم) , وذلك"قبل أن يفشو الإسلام في الناس"كما يقول الراوي.
إنه جعلها بشرى ونعمة ربانية، وكذلك تربى نفوس المؤمنين على معاني الاستعلاء، وتوكيد إلحاحهم في تحدي الجاهلية كلها مهما فشت وعمت وانتشرت وكثر أصحابها , ومهما قل عدد المسلمين وانحصروا في دويرة صغيرة، كما كانوا في دويرة المدينة ومن حولهم هذه الجزيرة العربية الواسعة الأطراف، الكثيرة القبائل.
والمس عظم أثر هذه التربية، وتحولها إصرارا وثباتاُ في الدين، وتجديد عزم على المضي، حين يقول من سمع هذه البشرى:"فرجعنا فرحين بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم"... فتصور هذه الدويرة الإسلامية المتميزة في الجزيرة الكافرة. كانت هناك طليعة إسلامية"تزاول نوعًا من العزلة من جانب، ونوعًا من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة", وهي في الحقيقة استمرار للمفاصلة التي كانت في العهد المكي، فظهرت في المدينة بصورة كاملة واضحة. و ما كانت نفوس المسلمين لتصبر في المدينة على لوازم هذه المفاصلة لولم تكن قد ربيت قبل الهجرة تربية صلبة عميقة على أولوياتها ومقدماتها، فيومها:"في مكة، لم تكن للإسلام شريعة ولا دولة ولكن الذين كانوا ينطقون بالشهادتين كانوا يسلمون قيادهم من فورهم للقيادة المحمدية ويمنحون ولاءهم من فورهم للعصبة المسلمة، كما كانوا ينسلخون من القيادة الجاهلية ويتمردون عليها، وينزعون ولاءهم من الأسرة والعشيرة والقبيلة والقيادة الجاهلية بمجرد نطقهم بالشهادتين".. كان"الإسلام هو تلك الحركة المصاحبة للنطق بالشهادتين، هو الانخلاع من المجتمع الجاهلي وتصوراته وقيمه وقيادته وسلطانه وشرائعه، والولاء لقيادة الدعوة الإسلامية وللعصبية المسلمة التي تريد أن تحقق الإسلام في عالم الواقع", فلما تجلى هذا التميز بصورة أوضح في المدينة، صار المجتمع الإسلامي منارًا واضحًا في تلك الصحراء، يأوي إليه الهائم والمتشكك، ومن يحتدم في قلبه الصراع بين الإيمان والكفر الموروث.
فلما اتسع المجتمع الإسلامي، وانتصر، ودانت كل الجزيرة بدين الله: استمرت هذه الحاجة إلى مفاصلة بقايا الجاهلية المتماثلة ببقايا النفاق واتباع الشهوات.
وهي مفاصلة ثانية، واجبة أيضًا. فكما أن المفاصلة الأولى أفادت في إيجاد عزة الإيمان في نفوس المفاصلين، وفي جعل المدينة منارًا يأوي إليه الحائر، فإن المفاصلة الثانية كانت ضرورية للحفاظ على نقاوة جهاز دولة الإسلام، المحافظ على سمات حكمه وفقهه وتربيته وفتوحة. ومن هنا دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى هذه المفاصلة الثانية بعبارة جامعة رائعة فقال: (إن لله عبادًا يميتون الباطل بهجره، ويحيون الحق بذكره)
وقد استعمل كلمة الهجر للدلالة على المفاصلة التي نعنيها. وهذا يعني أن عنصر النفاق و ا تباع الشهوات كلما زاد في المجتمع، زادت هذه الحاجة إلى هذا النوع الثاني من المفاصلة، بعملية طردية، ليبقى الباطل باطلًا مشارًا إليه بأصبع الاتهام، و لئلا يحيله التقادم إلى حق موهوم في ذهن الذين لا يعون، فينطلي زوره، و ينسى الناس اعوجاجه، و لئلا تستسيغه النفوس من بعد، حين يطول الأمد.
و لذلك فإن الدعوة الإسلامية اليوم لا بد لها إزاء زيادة النفاق و الفسق و اتباع الشهوات في المجتمع الحاضر من هذه المفاصلة، و من هذا التميز، بشكل واضح صريح، لتبقى الصورة الإسلامية جلية واضحة بدورها، يمكن أن ينظر إليها من يبتغي النظر إليها، ممن تحفزهم كلمات الدعاة لمحاولة اكتشاف أبعاد هذه الصورة، و التفتيش عنها و تلمس مثل تطبيقي لها.
و الحقيقة أنه و إن افتقد الدعاة في هذا القرن صورة حكم إسلامي يصلح مثلًا لتطبيق الإسلام، إلا أن هذا المثل يمكن أن يتجلى في بعض أشخاص من الدعاة، تتضح فيهم معاني الإسلام، ويكتسبون من هيبته، و يبلغون الذورة في الإيمان والتجرد وتطبيق السنة النبوية الشريفة. وهذا هو معنى (القدوة) في صورتها البسيطة.
إن وجود (القدوة الإٍسلامية) يعني وجود شخص يدرك الناظر إليه أنه مستقل في فكرته و عقيدته، و سكناته و حركاته، عما حوله، منفصل عنهم، تميزه الأبصار قبل المعاملة، بما تعلوا وجهه من معالم السكينة و الهيبة و الحزم التي شاء الله أن ينفرد بحيازتها المسلم دون غيره، فيعوض بذلك عن صورة الحكم الإسلامي المفتقد، ويكون بديلًا لها، وبرهانًا على أن الإسلام قادر أن ينتج مثل هذه النماذج الإنسانية الرفيعة، أو بالأحرى: يكون برهانًا على أن مثل هذه النماذج لا ينتجها غير الإسلام.
و أبو القاسم الجنيد رحمه الله يعبر عن هذا الانفصال للقدوة الإسلامية بعبارة (الحرية عما سوى الله) ، أي ليس بينه و بين ما سوى الله رابط أو قيد أو نسب أو ميل أو رغبة، بل هي الحرية بمدلولها الذي يفهمه كل حر، فيقول:"لا يكون العبد عبدًا حتى يكون مما سوى الله تعالى حرًا"ويعبر مرة أخرى عن هذا الانفصال بأنه"عبودية الأحرار"أو"حرية العبيد"، فيصوغ سطرًا بليغًا رفيعًا يغني عن عشر مجلدات، ويقول:"إنك لا تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية".
فلأن الإسلام كله عبودية لله تعالى، فإن العبد التام العبودية الذي سماه الجنيد , هو وحده الحر في هذا الوجود دون غيره من أسارى الشهوات واجتهادات العقول القاصرة , وهذا التعبير الجميل ورثه الجنيد عن أفضل الزهاد العباد: الفضيل بن عياض رحمه الله، إذ أبرز الفضيل بمقابل الحرية مما سوى الله: واجب المسلم في تجريد الربانية له واطراح كل ربانية لأحد من الخلق يريد أن يفرضها عليه بثمن مادي، أو بالقسر و الاكراه، فيقول الفضيل:"والله، ما صدق الله في عبوديته من لأحد من المخلوقين عليه ربانية". فالمسلم يفرد الله بالعبادة، و إفراده بالعبادة يقتضي أن يعلن بصراحة ووضوح براءته مما يعبد الغير، ومما يشرعون لأنفسهم، و يجهر بذلك مفاصلًا، كما فاصل نبي الله هود عليه السلام قومه بقوله: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تُنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قومًا غيركم ولا تضرونه شيئًا إن ربي على كل شيء حفيظ}
"إنها انتفاضة التبرؤ من القوم - وقد كان منهم وكان أخاهم - وانتفاضة الخوف من البقاء فيهم وقد اتخذوا غير طريق الله طريقًا. وانتفاضة المفاصلة بين حزبين لا يلتقيان على وشيجة، وقد انبتّت بينهما وشيجة العقيدة. وهو يشهد الله على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم، ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوهم، كي لا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره و خوفه أن يكون منهم. و ذلك كله مع عزة الإيمان و استعلائه، و مع ثقة الإيمان واطمئنانه! وإن الإنسان ليدهش لرجل فرد يواجه قومًا غلاظًا شدادًا حمقى، يبلغ بهم الجهل أن يعتقدوا أن هذه المعبودات الزائفة تمس رجلًا فيهذي، و يروا في الدعوة إلى الله الواحد هذيانًا من أثر المس! يدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراه هذه الثقة، فيسفه عقيدتهم و يقرعهم عليها و يؤنبهم، ثم يهيج صراوتهم بالتحدي لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريثون فيفثأ غضبهم. إن الإنسان ليدهش لرجل فرد يقتحم هذا الاقتحام على قوم غلاظ شداد، و لكن الدهشة تزول عندما يتدبر العوامل و الأسباب."
إنه الإيمان، و الثقة، و الاطمئنان. و الإيمان بالله، و الثقة بوعده، و الاطمئنان إلى نصره، الإيمان الذي يخالط القلب، فإذا وعد الله بالنصر حقيقة ملموسة في هذا القلب لا يشك فيها لحظة، لأنها ملء يديه، وملء قلبه الذي بين جنبيه، وليست وعدًا للمستقبل في ضمير الغيب، إنما هي حاضر تتملاه العين و القلب""
{إن ربي على صراط مستقيم} ..
"فهي القوة والاستقامة والتصميم. وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء وسر ذلك التحدي. إنها ترسم صورة الحقيقة التي يجدها نبي الله هود عليه السلام في نفسه من ربه. أنه يجد هذه الحقيقة واضحة. إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} ، وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها و يقهرها بقوته قهرًا، فما خوفه من هذه الدواب و ما احتفاله بها، وهي لا تسلط عليه - إن سلطت - إلا بإذن ربه؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه؟ إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة نفسه، لا تدع في قلبه مجالًا للشك في عاقبة أمره , ولا مجالًا للتردد عن المضي في طريقه. إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة أبدًا".
وقد فقه الإمام البنا رحمه الله هذه النظرية في المفاصلة، فنادى بوجوب تربية النشء وفق معانيها، وأوضح أن مستقبل الإسلام إنما يعتمد على"هذا النشء الجديد، فأحسنوا دعوته، وجدوا في تكوينه، وعلموه استقلال النفس والقلب، واستقلال الفكر والعقل، واستقلال الجهاد و العمل , واملأوا روحه الوثابة بجلال الإسلام وروعة القرآن، و جندوه تحت لواء محمد ورايته، و سترون منه في القريب الحاكم المسلم الذي يجاهد نفسه و يسعد غيره"... فهو قد عبر عن المفاصلة بالاستقلال، كما عبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنها بالهجر. فاستقلال النفس والقلب هو المفاصلة الشعورية في الضمير، و العزة و الاستعلاء.
و استغلال الفكر هو عدم خلط الشريعة بالتصورات الأرضية المبتدعة التي أضلت الأحزاب. و استقلال العمل هو التميز في الصف، و ترك الأحلاف. وكما أنها مهمة هؤلاء الدعاة في تربية النشء، فإنها مهمتهم في وجوب الانتباه لنفوسهم، والثبات على هذه المفاصلة. أو كما قال الإمام:"لا تصغروا في أنفسكم، فتقيسوا أنفسكم بغيركم، أو تسلكوا في دعوتكم سبيلًا غير سبيل المؤمنين، أو توازنوا بين دعوتكم التي تتخذ نورها من نور الله، و منهاجها من سنة رسوله، بغيرها من الدعوات التي تخلقها الضرورات، و تذهب بها الحوادث و الأيام". ومن مكملات ذلك و ضرورياته حفظ صفاء الابتداء و نقاوته، و كما يجب على الداعية أن يحفظ لمن يدعوهم الهمة، و يسيرهم مع الهمم العالية، فإن عليه أن يحفظ لهم صفاء الابتداء، فإن الأيام الأولى للسير في طريق الدعوة تحسم مدى الصفاء مثلما تحسم منزلة الهمة.
إن من يفتح عينه على المفاهيم الإسلامية النقية المستمدة من القرآن و السنة فحسب غير المشوبة بترهات غير إسلامية فإنه يبدأ وينشأ ويشب و يشيب و يموت على هذه المفاهيم، و من سقي المخاليط ذات الشوائب صعبت عليه التنقية بعد.
و لقد وعى أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر آباذي المتوفي سنة 367 هـ هذا المعنى أروع الوعي فقال:
"ما ضل أحد في هذا الطريق إلا بفساد الابتداء , فإن فساد الابتداء يؤثر في الانتهاء".
فأحسن البداية و أتقنها يا داعية الإسلام.
ما كان لأهل الحركة الإسلامية و من حولهم من ناشئة الابتداء أن يتخلفوا عن السير نحو أفراح الآخرة، ولايرغبوا بأنفسهم عن حاجات الدعوة، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب، ولا غبار في سبيل الله، ولا يتكلمون كلمة تغيظ الأحزاب الأرضية ولا ينالون من ملحد نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين؛ ولا ينفقون نفقة من التعب صغيرة أو من الهول كبيرة، ولا يجوبون محلة أو مدرسة أو جامعة أو مصنعًا إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون.
و كيف يلتذ داعية براحة وهم قد لقنوه من أول يوم أن ينشد:
في ضميري دائمًا صوت النبي آمرًا: جاهد و كابد و اتعب
صائحًا: غالب و طالب و ادأب صارخًا: كن أبدًا حرًا أبي
و كيف يميل إلى استرخاء، و أصحابه يهتفون:
نَبني، ولا نتكل نفني، ولا ننخذل
لنا يد والعمل لنا غد والأمل
إن حرية الداعية، والأمل الذي يستيقنه: يدفعان به دفعًا إلى البذل السخي.
· علو في الحياة:
حرية .... و أمل
حرية تكسر قيود الشهوات
و أمل بالأجر، و ثقة بالنصر
كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في ميزان التصارع العقائدي، كانتا دومًا في تاريخ التوحيد الطويل، تأخذان التعب من أجيال الدعاة من النبيين والصديقين والراشدين و التابعين و من لحقهم بإحسان على مر القرون، فكلهم بالتعب كانوا يفرحون يأبون إلا العلو في الحياة ونحن إن شاء الله بهم لمقتدون.
كان تعبهم يتمثل أحيانًا بحركة يومية دائبة في الإنذار والتبشير، والتجميع والتبصير، أو سهرًا على رعاية مصالح المسلمين. و يتمثل أحيانًا في انكباب على التعلم واجتياز المفاوز لحيازة حديث أو كلمات فقه.
ويتجسد في أخرى قتالًا، وتحفيزًا دائمًا لجهاد وعلو موت. وفي أخرى إشغالًا للفكر في التخطيط.
وفي أخرى إشغالًا للفكر في التخطيط.
فإن أخذوا راحة، واستلقوا على ظهورهم: لبث ذهنهم يصطاد الخاطر.
وكل ذلك حكى التاريخ، ليتعلم الدعاة اليوم.
· نطق بالليل و النهار:
فأول من يطالعنا: الأنبياء عليهم السلام. كان لسانهم ناطقًا بالليل و النهار، و الإعلان و الإسرار. قال تعالى مخبرًا عن نوح عليه السلام: {قال رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا} , ثم قال: {ثم إني دعوتهم جهارًا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا} .
· ونطق أثناء خطوات الهجرة:
"والواقع أن الداعي إذا كان صادقًا في دعوته منشغلًا بها لا يفكر إلا فيها ولا يتحرك إلا من أجلها ولا يبخل عليها بشيء من جهده ووقته لم يشغله عنها شاغل أبدًا حتى في أحرج الساعات وأضيق الحالات وأدق الظروف، وهكذا كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فعندما هاجر إلى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقي في طريقه بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا. وهذ يدل أنه عليه الصلاة والسلام لم يغفل عن الدعوة إلى الله حتى وهو في طريقه مهاجرًا إلى المدينة و القوم يطلبونه"
· و نطق في السجن:
"ويوسف عليه السلام عندما دخل السجن مظلومًا لم يشغله السجن و ضيقه عن واجب الدعوة إلى الله ولهذا فقد اغتنم سؤال السجينين عن رؤيا رأياها , فقال لهما قبل أن يجيبهما ما أخبرنا الله به: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} "
· الراشد يمنع النوم:
و قاربهم الصديق أبو بكر رضي الله عنه حتى قال عند وفاته:"والله ما نمت فحلمت، ولا توهمت فسهوت، و إني لعلى السبيل ما زغت". يعني أنه قد شغلته حروب الردة و الفتوح وأرهقه إرساء جهاز الدولة، حتى أنه ما كان ليستغرق في نومه ليتاح له أن يحلم، و ظل يزاد بعد النبي صلى الله عليه وسلم في الصديقية ليهبه الله تعالى يقظة أثناء هذا التعب تبعد عنه الوهم والسهو.
· الترابي !
ويترجم عبدالله بن عباس رضي الله عنه انغماسه في صورة جمع بين التواضع والصبر على مشقة التعلم وجمع الحديث، حتى أن الريح لتسفي عليه التراب، يرجو بذلك أن يستنشق نسمات الجنة، ويجتاز الصراط بلا حساب.
واسمعه يروي ما كان منه ويقول: (أقبلت أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحديث , فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح علي التراب، فيخرج فيقول لي: يابن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث) . ولو شاء أن يوقظوه لأيقظوه له مع الفرح، ولكن الهمم العالية تطرب لصفير الرياح ولفحات التراب.
· هواية رفع الأثقال
والداعية اللبيب يسابق أصحابه لحمل كل ثقيل من الأمور، فيكون يوم الجمع صاحب الميزان الثقيل، كما تسابق النخعيون يوم معركة القادسية. قال أحد الصحابة منهم:"أتينا القادسية، فقتل منا كثير، و من سائر الناس قليل، فسئل عمر عن ذلك فقال: أن النخَع ولوا عِظَم الأمر و حدهم"
وما كان أحد ممن حضر القادسية إلا و أبلى، و لكن الدعاة إلى الله لهم هواية التسابق في رفع الأثقال.
· حصن التربية الأسدية
والذروة يعلوها التابعي العابد الفقيه المحدث الجليل أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي، نتاج تربية الأربعة الراشدين و ابن مسعود و سعد بن أبي وقاص و غيرهم، فإنه عاف التجارات و البيوت و بنى له في الكوفة حصنًا صغيرًا يسعه هو و فرسه و سلاحه فقط، و بقي طول عمره متحفزًا للجهاد، حتى لم يعد يعرف موازين السوق التي يتعامل بها الناس. تجرد حق التجرد، فأنتج حق الانتاج ذرية تجرد تتبعه، يعلم الدعاة بذلك طريق إنتاج الرجال باستخدام وسائل الايضاح البصرية المجسدة.
أنتج أبو وائل أمثال: سليمان الأعمش، و منصور بن المعتمر، و حصين بن عبد الرحمن، وعمرو بن مرة، و غيرهم من فحول المحدثين.
إن من لا يفهم التربية يظن أن بناء هذا الحصن من التكلف و الرياء، وما هو كذلك.
· ذهب الفراغ .... !
و يموت شقيق الأسدي مع نهاية قرن الخير الأول، فيبادر الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز إلى ضرب الأمثال. تصفه زوجه فاطمة بنت عبد الملك فتقول:"كان قد فرّغ للمسلمين نفسَه، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه: وصل يومه بليلته". يضرب المثل بذلك لداعية الإسلام إن أراد أن يصدق دعوته و يؤدي الأمانة.
صدق الداعية: أن يجدد أطوار عمر فيفرغ نفسه للمسلمين، فلا تجد له حركة دنيوية إلا بمقدار ما توجبه ضروريات إطعام عياله. و يفرغ ذهنه، فليس فيه إلا تفكر بمصالح الدعوة.
ويتعرض أصدقاءٌ قدماء لعمر، من أصدقائه قبل الخلافة يوم كان فارغًا، يودون أن تكون لهم معه جلسة يعيدون فيها الذكريات، فيقولون:"لو تفرغت لنا", فيقول:"وأين الفراغ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله"..
يلقنها لمن يدخل الدعوة بعده إذا دعاهم رفاق الأمس إلى قتل الأوقات.
· موفق يجوب بحقيبة العلم راجلًا
ويستمر تلامذة أحمد بن حنبل، وأتباع مذهبه من بعده، يضعون وسائل الإيضاح البصرية في الاستخدام التربوي، فإنهم كما وصفهم الفقيه النحوي ابن عقيل:"غلب عليهم الجد، وقل عندهم الهزل".
فمن تلامذته: الحافظ الإمام الفقيه الزاهد المحدث: إسحق بن منصور المعروف بالكوسج، شيخ البخاري ومسلم وغيرهما. كان يسكن نيسابور بخرسان، فرحل إلى بغداد ودوّن عن أحمد بن حنبل مسائل في الفقه كثيرة، و رجع إلى نيسابور، ثم إنه: (بلغه أن أحمد بن حنبل رجع عن بعض تلك المسائل، فحملها في جراب على كتفه، وسافر راجلًا إلى أحمد، ثم عرض خطوط أحمد على كل مسألة استفتاه عنها فأقرّ له بها وأعجب به) ... وأحدنا الآن يجلس على أريكته و بجنبه مسند أحمد مطبوعًا محققًا مجلدًا مذهبًا يتكاسل أن ينظر فيه.
· الحنابلة يحفظون السمت
ويرسم ابن عقيل، النحوي الفقيه الحنبلي، صورة الداعية الذي لا تكون خطراته وسبحات فكره - بل أحلامه إذ ينام - إلا في الدعوة، ويجلي ذلك بقوله:"إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة: أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح"... فانظر، كم ساعة من نهارك و ليلك تضيع سدى؟
وخلفه الشيخ الزاهد الفقيه محمد بن أحمد الدباهي. قالوا: (لازم العبادة، والعمل الدائم والجد، واستغرق أوقاته في الخير .. صَلْبٌ في الدين، وينصح الإخوان، و إذا رآه إنسان: عرف الجد في وجهه) .
وهكذا يجب أن تكون دائمًا علامة الدعاة سيماهم في الجد ظاهرة في وجوههم، لا يخطؤها النظر.
ليس لهم نصيب من الهزل و الضحك و البطالة.
· أصحاب الإمام البنا يجددون
وجدد جيل هذا القرن من الدعاة في مصر تلك الصور الرائعة القديمة، ليبرهنوا أن الإسلام الذي أنتج أولئك لا يزال حيًا. يصف الإمام حسن البنا أصحابه فيقول: (قد سهرت عيونهم والناس نيام، وشغلت نفوسهم و الخليون هجع، وأكبّ أحدهم على مكتبه من العصر إلى منتصف الليل، عاملًا مجتهدًا، و مفكرًا مجدًا، ولا يزال كذلك طول شهره، حتى إذا ما انتهى الشهر جعل مورده موردًا لجماعته، ونفقته: نفقة لدعوته، و ماله: خادمًا لغايته، ولسان حاله يقول لبني قومه الغافلين عن تضحيته: {لا أسألكم عليه أجرًا إن أجري إلا على الله} )
* و علو في الممات .. !
وكما في مصر، كان من رعيل العراق الأول: أبو صفوان الدباغ صاحب رسالة (مع الناشئة) ، الرسالة الصغيرة البسيطة جدًا، الطريفة جدًا.
حدثني الثقة من أقرانه، قال: (كان مريضًا بالسرطان، و اشتد مرضه سنة اثنتين و خمسين و تسعمائة و ألف، فرقد في المستشفى أيامًا، و كأنه أحسّ بلحظات حياته الأخيرة، فطلب مواجهة قائد الدعوة آنذاك، فجاءه و معه بعض الدعاة - فِيهِم راوي القصة - فأعلمهم بقرب موته، وشهد أن لا إله إلا الله، و قرأ شيئًا من القرآن، و صافح يد القائد، و أعلن تجديد بيعته و ثباته على هذه الدعوة و حمّلهم السلام إلى من كان من الدعاة آنذاك و إلى من سيلتحق بعد، ثم أعاد الشهادة و مات من فوره، بعد تجديد بيعته بقليل) .. رحمه الله ... فتأمل هذه منقبة لا يرزقها إلا من كان توجهه صادقًا في حياته.
وتأمل علو همته. كأنه في قاعة مطار يودع أو على رصيف محطة قطار.
أخ لك سابق غادر الحياة ولعلك لم تولد بعد يحييك ويبلغك السلام، و يطلب منك الثبات على هذه الدعوة التي جربها في آخر لحظات حياته فوجد لذة السير إلى من أنعم بها على عباده.
إن في ذلك لعبرة تغني اللبيب عن كثير من الكلام المنمق والبلاغة المتكلفة.
حقًا إن الهمم مراتب، ولا تعلو همة في نهايتها وعند موتها إلا إذا علت في بدايتها.
وقائع وقصص يمرُّ بها الداعية يأخذ منها الدروس والعبر، والهُمام من يقول: اللهم اجمعنا وإياهم في دار كرامتك.
وكذلك نقصص القصص لدعاة الإسلام لعلهم يقتدون.
(1) سورة ص: 86.