إنه يجهل أن القانون على السفينة إنما هو قانون العاقبة دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه، بل على الشرع فيه، بل توجيه النية إليه، فلا حرية هنا في عمل يفسد السفينة ا دامت ملججة في بحرها، سائرة إلى غايتها.
إن كلمة (الخرق) لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، بل معناها البحري، فهناك لفظة (أصغر خرق) ليس لها إلا معنى (أوسع قبر) ... في قاع المحيط المظلم، لو ترك هذا الخرق الصغير وشأنه.
وكذا حسن النية، إنه لا يحمل عندنا في علاقاتنا معناه الأخروي الذي يحاسب الله بموجبه عباده، فالإفساد واحد حتى وإن كان بنية حسنة.
أفما رأيت حالة هذه الطائفة التي في (الأسفل) تعمل لرحمة من هم في (الأعلى) ؟
إنها قصة القواعد الساذجة مع القيادات العاملة:
عاطفة لتهبة .. لكنها باردة.
ومشاعر صادقة .. لكنها كاذبة.
ورحمة خالصة .. لكنها مهلكة.
إنهم المصلحون إصلاحا مخروقًا [1] .
فإذا كانت الجماعة مطالبة بإزالة الضرر الذي يقع من قبل المخلصين أحيانًا على سذاجة، أو بشهوة خفية، فمن باب آكد أن تسارع إلى إزالة ضر من تسوقهم الشهوة المفضوحة إلى اتباع غير سبيل المؤمنين.
ولا تقل: كيف نميز بين الطائفتين؟ فإن الفراسة الإيمانية تتكفل بذلك، كما تكفلت فراسة المحدثين بفضح الحديث الموضوع أحيانًا، فإنك تجد عندهم مثل قول الحاكم النيسابوري في كثير بن عبد الله الناجي: (زعم أنه يسمع من أنس، وروى عنه أحاديث يشهد القلب أنها موضوعة) [2] .
فالداعية لا يترك حذره إذا لم ير الدليل الواضح وضوح الشمس، بل تكفيه شهادة قلبه للاحتياط في كثير من الأمور إذا تجنب الهوى.
*فالقلب راء ما لا يرى البصر*
(1) اقتباسات نم وحي القلم 3/ 7.
(2) تهذيب التهذيب 8/ 418.