فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 4219

فالمهاجر إن أحسن في المجتمع الغريب: لا يشكروه، وإن أخطأ: لا يعذروه، ويظل يعيش عن أهل البلد بمعزل، ومع بقية المهاجرين في تنافس وتتوالى التهم عليه عند أدنى خلاف أو سوء تفاهم دونما حماية من أحد يستجير به، وتتراكب على عاتقه كل أمور بيته ولا معين له من أقاربه أو أصحابه فتبدأ الانتكاسات النفسية تترى عليه وعلى زوجه وأولاده، ويتأسف على أيام كان يسير فيها في بلده مرفوع الرأس، عزيزا بين معارفه، مهما ظلمه المتجبرون، أو أرهقه العوز، ويبدأ يحس أن الناس يعاملونه نفس معاملة أي صعلوك لمجرد انتسابهما إلى بلد واحد، ويفتقد الأيام التي كان يمشي بها بين الناس بمفاخره وتاريخه ونسبه ومناقب أهله، إذ كل ذلك مهدر في المجتمع الغريب مجهول، وإنما يعاملونه كابن ساعته.

إن في هذه الحقائق ما يجعل من منع الهجرة عاملا مهما من عوامل الحفاظ على الجدية الجماعية، إلا هجرة مضطر يخاف أن يهدر دمه أو يطول سجنه أو تنتزع الأسرار منه بتعذيب، أو هجرة بعثة دراسية موقوته، أو هجرة قيادي يربي ويخطط.

إشاعة أدب الحماسة والرقائق الوعظية:

هكذا، الآن الآن فقط تأتي الحماسة، بعد كل هذه العوامل لتستثمر نتائجها، وتستصرخ، وليس قبل ذلك، فإن بعض من يعالج أسباب الفتور الجماعي، يتوهم العلاج، ويكون بعث الحماسة هو المفهوم الوحيد الذي يتبادر إلى ذهنه ابتداء وانتهاء.

كلا، بل هي آخر الأسباب، وأضعف العوامل، ولكن يرجى أن يتضاعف أثرها إذا استطعنا تجاوز التعابير الحماسية العرفية إلى أساليب أعلى فيا لمعني والمبني، مع تفنن بلاغي متنوع.

وإذا أجدنا إعادة الحاسة الجمالية الشعرية إلى جيل الدعاة الجديد المقطوع عنها فإن غرر الشعر ستكون عند ذاك مصعد حماسة وأداة ترقيق للقلوب بالغة الأثرن ولعل أشد الشباب غفلة وافتئاتًا على مصالح نفسه يتعظ بربته على كتفه مع همسة في أذنه، خفيضة النبرة، عالية الأصداء، إذا عاتبته فقلت له:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت