(حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا أن يلهو مع من يلهو، ولا أن يسهو مع من يسهو) .
وليس أوعظ من أن يتصور أحدنا نفسه مع أولئك اللاغين الازحين من طلبة الحديث المخالفين لأعراف شيوخهم، والفضيل يشترط غضبا وينادي:
(مهلا يا ورثة الأنبياء، مهلا يا ورثة الأنبياء، إنكم أئمة يقتدى بكم) .
وإنها لحقيقة يذكرنا بها الفضيل يجب أن لا تغيب عن بالنا.
إن مجرد حملنا للقرآن، وطلبنا للحديث يضعنا في مقام القدوة والإمامة، ولابد من وفاء حق هذا المقام.
*ويمر بنا طريق الصمت على آخر من الزهاد اسمه:
داود الطائي، زاد فاشترى من الناس بصمته شهادة خير تنطق يوم يسأله الله، سلمه إيها ابن السماك يوم موته، في وقفة على قبره، حين فرغوا من دفنه، فناداه أمام الجمع المحتشد:
(يا داود:
كنت تسهر ليلك إذ الناس ينامون.
وكنت تربح إذ الناس يخسرون.
وكنت تسلم إذ الناس يخوضون) [1] .
فاستغفر له من حضر، فهي في يمينه حجة يوم اللقاء، وهي في الكتاب موعظة لأولى الألباب تحركهم إلى شراء السلامة من وريث لابن السماك.
*وعلى درب الصمت نفسه سار الجواليقي اللغوي، صاحب إعراب القرآن، وأحد أعيان ثقات فقهاء الحنابلة ببغداد، فكان:
(طويل الصمت، لا يقول الشيء إلا بعد التحقيق والفكر الطويل) [2]
ويقال له أيضا: المراء، وهو من لوازم إقلال الكلام وناتجه، ومن مكملاته التي تتم زينه.
(1) تاريخ بغداد 8/ 355.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 205.