وكان الحسن البصري ملحاحا في الحث على هذا الخلق، لهاجًا في تزيينه، حتى جعله ثلث العيش، فقال: (لم يبق من العيش إلا ثلاث: أخ لك تصيب من عشرته خيرًا، فإن زغت عن الطريق: قومك. وكفاف من عيش ليس لأحد عليك فيه تبعة. وصلاة في جمع، تكفي سهوها، وتستوجب أجرها) [1] .فزينة الحياة عنده، في جيل التابعين ذلك، كانت ترتفع عن الأرض وتتناقص، حتى لم يبق منها مما يري إلا هذه الثلاث التي يتقدمها الأخ الناصح المقوم لاعوجاجك، فكم ثمن بقية الزينة هذه في يومنا هذا؟ ثم جعل الحسن التقدم بالنصيحة خصلة ضرورة للمؤمن الذي: (هو مرآة أخيه، إن رأى منه ما لا يعجبه: سدده وقمه ووجهه، وحاطه في السر والعلانية) [2] .فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ولا ترى نفسها إلا بمرآةوعند عمر بن العزيز هو: من إحسان الصلاتن الإخوانية وواجباتها، وذاك قوله: (من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه) [3] .ومثل التقدم بالنصيحة، قبولها: فالصادق يفرح بها، ولكن (وصف الله تعالى الكاذبين ببغضهم للناصحين، إذ قال: ولكن لا تحبون الناصحين) [4] .وللناصح الحق في أن يسقط من عينه من يرد نصيحته، وأن يستن بسنة الشافعي التي بينها في قوله:
(ما نصحت أحدًا فقبل مني إلا هبته واعتقدت مودته، ولا رد أحد علي النصح إلا سقط من عيني ورفضته) .
(1) تاريخ بغداد 6/ 99.
(2) زهد ابن المبارك/232.
(3) تاريخ الطبري 6/ 572.
(4) إحياء علوم الدين 2/ 183.