فهرس الكتاب

الصفحة 3318 من 4219

(من علامة الاستدراج للعبد: عماه عن عيبه، واطلاعه على عيوب الناس) .

فجعل بدايته: استدراجًا، أي تغريرًا من شيطان، يمني ضحيته بوجود بعض لذة في آخر طريق وعر بعيد ويغريها بنيلها، فتلج، فتنقطع، فينفرد بها بلا نصير أو ظهير، فيقهرها، كما يقهر الجيش أعداءه الضعاف بإظهار تراجع مفتعل يغريهم بالتوغل دون حساب خط رجعة.

ولما نودي على السري بعد ذلك للولوغ في أعراض الناس وولوج مجالس إحصاء عيوب الآخرين ناداهم بأعلى صوته:

(إن في النفس لشغلا عن الناس) .

وإنها لصيحة حق لها أن يصرخها كل دعاة الإسلام الآن، والخبير بتلبيس إبليس يدرك مزالق هذا الباب جيدًا.

فيدعها في عافية من بعد ما عافى لسانه من تتبع زلات الناس وانتبه لعيوب نفسه، إذ:

(ليس من جارحة أشد ضررا على العبد -بعد لسانه- من سمعه، لأنه أسرع رسول إلى القلب، وأقرب وقوعًا في الفتنة) .

فسمعك صن عن قبيح الكلام

كصون اللسان عن النطق به

فإنك عند استماع القبيح

شريك لقائه فانتبه [1]

وهذا ما يستدعيه التعجل الإيماني المستحب للسائر في طريق الأنوار، فإن استماعه للهماز يضيع عليه وقته الثمين إن لم يضره.

فلما لم يعط النبي -صلى الله عليه وسلم- جعيل بن سراقة الضمري رضي الله عنه شيئا من المال، وهو المهاجر المجاهد، وأعطى من هو دونه، وظنها سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه إهمالا لجعيل، وأراد توثيقه: قام النبي -صلى الله عليه وسلم- مقترحًا:

قال سعد:

(فساررته قلت: مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنًا؟ قال: أو مسلمًا) [2] .

فذكر ابن حجر أن هذا الحديث يتضمن من الفقه:

(أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان) ,.

قال:

(وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة) [3] .

(1) أدب الدنيا والدين/257.

(2) صحيح البخاري 2/ 147.

(3) فتح الباري طبعة البابي 1/ 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت