قول خبير ليس بكاذب ولا مبالغ.
والمخرج من ذلك سهل بسيط ليس بالصعب عند الموفق، لا يستدعى أكثر من إغلاق وفتح.
يغلق ويقفل باب الجدل، ويرمي بالمفتاح بعيدًا، ثم في حركة سريعة يفتح باب العمل.
فإن لا طريق أقرب من الصدق.
وحين تاب الله على كعب بن مالك رضي الله عنه لما افتتن فتخلف في الثلاثة الذين خلفوا، قال:
(يا رسول الله: إن الله إنما نجاني بالصدق، إن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت) [1] .
فغدا الصدق من يوم اختاره كعب سنة لتوبة المفتتنين، وكفاية لاحتياط الحذرين.
صدقا يتجاوز مقداره العرفي الذي تدين بفضيلته كل الأمم حين يتعامل أفرادها في أسواقهم وزيجاتهم، ويتعداه، ليكون نوعا من الحساسية الإيمانية تستشعر الرقابة الربانية، حين ترسل الفتن المتربصة لغزونا من يوسوس في صدورنا ويشجعنا على الانتصار لنفوسنا عند الخلاف بزيادة كلمة نتأول في إضافتها أنها تفسر كلام المخالف، أو بحذف كلمة بتأويل مقارب، أو باختيار لهجة لرواية الكلام تصرفه عن مقاصده الظاهرة وتحمله ما لا يحتمل من المعاني المعيبة.
فإني انضاف إلى مثل هذه الكذبة في الزيادة، أو النقصان، أو لهجة الرواية: نشر لها في المجالس، وسفر رسل صاحبها بها في الأقطار والأمصار: خيف على صاحبها أن يكون ذاك الرجل الذي رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- في رؤياه المرعبة المخيفة لما أتاه آتيان فانطلقا به، فمر به:
(على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه، فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاهن ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى.
قال: قلت سبحان الله! ما هذا)؟.
قالا:
(1) صحيح البخاري 6/ 8.