وللداعية مثل عظيم يحتذى في موقف نوح - عليه السلام - من الملأ واتباعهم، فإنه: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً} .
ونوع الأساليب في دعوتهم:
{إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً} ثم {إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً} .
ثم جاء موقف الملأ:
{قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين} .
هذا هو الموقف برغم طول الزمان الذي أمضاه، وضخامة الجهد الذي أضناه، وتنوع الأسلوب الذي توخاه، ومع ذلك ما نفد صبره وما خرج عن مقتضى الرحمة والحكمة:
{قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون} .
فهل استمرت دعوتك - أخي الداعية- عشر معشار مدة نوح؟ وهل لقيت عشر معشار إعراض قومه الذين قال فيهم: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً} .
إذن ألا يحق لنا أن نعتب عليك لما دبّ في نفسك من اليأس، وما وصمت به الناس من الكبر أو الفسق أو الكفر برغم أنك لم تبلغ جهدك في إقامة الحجة طول المدة، إذن فليكن لك - يا أخي - عشر معشار ما كان لنوح من الحكمة وطول النفس.
هناك حقيقتان يجب على المسلم أن يدركهما.
الأولى أن الصراع بين الحق والباطل والتدافع من أجل انتصار أحدهما على الآخر مستمر وهي معركة لا تنطفيء نيرانها ولا يخبوأ دارها في يوم من الأيام وأن هذا الصراع قد يشتد أحياناً فتظهر صورة بالصدام والاستعمار والتنكيل، وقد تهدأ إلى الحوار والدعوة فترسل الإرساليات التنصيرية ويرسل الدعاة إلى الله - تعالى - لإزالة الشبهات وإعادة الناس لدين الله أفواجا.
(1) د. طارق محمد الطواري