ولقد تعلم الدعوات هذا الخطر، فترسلها مواعظ ووصايا للدعاة، ولكن المباح يدب دبيبا خفيا.
فإن تملص الداعية وسل نفسه: لم يك استعلاؤه على الراحة والرغد كافيا لحصار الشيطان في زاوية اليأس، بل للشيطان محاولة سادسة، فيكون له التفاف واقتحام من ثغرة أخرى، فينثر ترتيب قائمة الأولويات النسبية، ويعكس القواعد الشرعية في تفاضل الأعمال الإيمانية، ويلهي المؤمن بالمفضول المرجوح، فيقصى من له علم نافع عن جمهور المنتفعين منه، ويشغله بزيادة ركوع وسجود، هما جليلان، لكن التعليم أوجب عليه بعد الفرض منهما، وينقل آخر له وفرة قوة وبسطة في الجسم والذكاء، وخبرة في السياسة والإدارة من تفاعله المنتج مع يوميات الخطة الجماعية، ومن صولاته في ساحةالفكر، إلى إشراف على بناء مدرة أو إغاثة منكوب.
فمن استمسك بالفاضل الراجح، وزهد، وأبى تلبية نداء الشهوات، ولم تستز له الشبهات، فقد راغم الشيطان أبلغ المراغمة.
وآداب الشرع من بعد الفطرة والبديهة تضيق عليك، وتحدو بك نحو إتمام، بل الأمر صريح أن (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) [1] .
ولذلك استثناهم الشافعي أن تسري عليهم بسبب عثرة يعثرونها عقوبة تعزيزية يقدرها القضاة.
(وحكي الماوردي في ذوي الهيئات وجهين:
أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر، دون الكبائر.
وثانيها: أنهم الذين إذا أتوا الذنب ندموا عليه وتابوا منه.
ونص الشافعي على أنهم الذين لا يعرفون بالشر) [2] .
وتفسير الشافعي أقرب إلى مقصود الحديث دون شك، وشروط الانضمام إلى صفوف الدعوة، أو شروط قبول إعانة المعين، قد تجاوزت مجرد هذا الستر وشهرة الخير إلى حالة من اجتماع طبائع المروءة، ورفعة الهمة، ونبل المقاصد، والإقالة لمثل هؤلاء أولى وأوجب.
أم تريد أن ينجو الأشراف من تعزيز القضاة ليكسر نفوسهم تعزيز الدعاة؟
(1) صحيح الجامع الصغير للألباني 1/ 382.