وحتى لا نبقى نسبح في إطار الكلام النظري فلنتأمل أي عمل جماعي أو أي مشروع عام؛ فإنا نجده يعاني من قلة الباذلين، وندرة المتفرغين له، بل قد تحصي من الكفاءات القادرة على الأداء والإنجاز والمساهمة العدد الكثير، غير أنا عند ساعة التنفيذ والحقيقة ينفضّوا من حولك كما تنفض قطعان النعم إذا رأت الوحش يهاجمها. وكم من المشاريع الدعوية توقفت أو أفلست أو لم تستطع الاستمرار بسبب قلة العاملين وكثرة المتكلمين"غثاء كغثاء السيل".
ولهذا فإن أشد ما تعاني منه الدعوة هو هذه الغثائية التي لا تكاد تفرز منها ما ينفع وكأنها"إبل المئة لا تجد فيها راحلة"؛ فمتى تزول هذه الظاهرة السلبية ونشهد ميلاد جيل جديد يؤمن بأن تغيير مسار التاريخ يحتاج إلى ميزانية ضخمة من الأفكار والأفعال التي تحمل كثافة الواقع، ونصل إلى الإيجابية الرسالية التي كان عليها ربعي بن عامر .. ذلك الرمز الذي يمثل وضوح الهدف، وسعة الرؤية، والتصميم على الفعل، والصدق في التوجه، والحرص على الإنجاز، لنخرج أنفسنا وغيرنا"من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"؟ وتلك لعمري حقيقة الدعوة وحقيقة الدعاة وليست إبل المئة التي لا تكاد تفرز منها ناقة واحدة تحمل عليها هموم الدعوة والأمة التي تراكمت دهرًا طويلاً!.
ما زال الكثير من التجمعات الإسلامية يعيش عقلية سنوات خلت، حيث كانت الصحوة الإسلامية في مراحل نمرها الأولى تمشي متعثرة وتحاول النهوض بعد كل كبوة.
أما الآن، وقد أصبحت ملء العالم وأصبحت الخطر الأوحد أمام الأنظمة الغربية بعد سقوط الشيوعية في المعسكر الشرقي فإنه لا بد من مواجهة أساليب العمل الدعوي في وقتنا الراهن.
(1) د. مالك إبراهيم الأحمد