فهرس الكتاب

الصفحة 751 من 4219

وحدة العبودية، و تكاملها، في أجزاء هذا الكون، لله تعالى الذي خلقه: حقيقة يراها المتفكر، إذا استطاع أن يفلت من الصخب الملهي و يتأمل في هدوء ورَوية.

منها: عبودية لا تشوبها الوساوس، لبساط الأرض جميعه، حشائشه و الباسقات، نبهك القرآن لها، في قوله عزّ وجلّ: {والنجم و الشجر يسجدان} .

قال الطبري:"يعني بالنجم: ما نَجَم من الأرض من نبت، وبالشجر: ما استقل على ساق"

فهو منظر سجود دائم يراه المؤمن ليكون له تذكرة حين تثقله الغفلة، يديم له سجوداً قلبياً، آيته الرضا عن الله، والتسليم لحكم حلاله وحرامه، به يستكمل سجود جبهته مغزاه.

ومتى ذاق المؤمن، بالخلوات المسترسلة، لذة مراقبة هذا السجود الأخضر، المتوشح بألوان الزهر، وأذن لقلبه أن يبالغ في الهبوط مقلداً، حتى يلامس أوطأ الإخبات: نادى غيره للمشاركة، وعرض عليه الرفقة، منخلعاً عن حسد واحتكار.

وتلك هي دعوة إقبال، لما ظفر بسر السياحة الإيمانية الصامتة، في البراري الناطقة، ونبهك إلى إنصات واجب، لتسبيح دائب، و أوصاك أن:

دع الدور و اطلب فسيح البراري و انظر إلى صفحات الجمال

على حافة الماء دون ملال تأمل ترقق ماء زلال

وحدق إلى نرجس ذي دلال وقبِّل عيوناً له كاللآلي

و كان عبد الوهاب عزام أول مجيب له، وطفق يستغرق في التأمل، فرآه جاهل بما هنالك فأنكر عليه، فقال:

لست أخلو لغفلة و سكون وفرار من الورى و ارتياح

إنما خلوتي لفكر و ذكر فهي زادي وعُدّتي لكفاحي

و ما زاد بهذا على أن جدّد مذهباً سالفاً، و عرفاً عند أول المسلمين، في استلال ساعة من بين حركاتهم في التعلم و التعليم، والأمر و النهي، و ضرورات المعيشة، يميلون فيها إلى التفرد خارجاً، والركون إلى أرباض مدنهم، و الجلوس بين الزروع، يرجون لأنفسهم بصائر و تذكرة.

وروى ابن القيم أن شيخه ابن تيميه، رحمهما الله، كان يتركهم غادياً بعد الفجر مراراً، فراقبه، فوجده يعتزل في غوطة دمشق و حقولها، حتى غدت عنده عادة.

وما ذاك على أسلوب القرآن بغريب، ولا على رموز النص الشريف المأثور و تشبيهاته، بل هو ارتباط واضح خلالهما بين الخضرة و خصال الفطرة، ترك طابعه على طرائق المؤمنين في التعبير و التمثيل، في نحو على منحاهما، يدلك على قلوب فقهت المناسبة، واستوعبت الإشارة، وشهدت الرابط الجامع في لقيا الشجر و معاني الإيمان إنها غاية من أشجار الإيمان، فيها أيك ملتف متشابك، تجعل سيرك في ظل وارف، و مداعبة من زكي العبيق.

· تفجؤك فيها شجرة التوحيد.

وهي شجرة غرسها القرآن، تستلقي تحت أغصانها حين تقرأ قول الله تبارك وتعالى:

{ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تُؤتي أُكُلَها كلَّ حين بإذن ربها، و يضرِب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون}

قال ابن القيم:"فإنه سبحانه شبّه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علواً، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين. و إذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقاً لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء. ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء. ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، و قيامه بحقوقها، ومراعاتها حقّ رعايتها"

و من السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة، ويدل عليه حديث ابن عمر في الصحيح، وقال الربيع بن أنس: ذلك المؤمن، أصل عمله ثابت في الأرض، و ذكره في السماء.

قال ابن القيم:

"ولا اختلاف بين القولين، و المقصود بالمثل: المؤمن، و النخلة مشبهة به، وهو مشبه بها"

و يفتأ المستظل بظلها اليوم ساكن الفؤاد، غير مضطرب لحرمان وفوات، ينتظر فتحاً لحركة الإسلام تندكّ به صروح الضلال، قد قدّم له التبايع على الموت ثمناً.

فتأكل رطيبات وتقنع بها، عازفاً عن بطر المترفين، وتغرف من ثَمّ من سَرِي بين يديك يجري، مستعلياً بعزة دونك مدارجها، ترقى إليها و تَسري.

منها: شجرة الوفاء، عنوان امتزاج الأرواح الذاكرة، تنطق بالشكر، و تحفظ الفضل لأهله، و تعلن عِرفان الجميل.

وهي نخلة، تَنَهَّدتْ عند الفِراق.

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه:

(كان جذع يقوم إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وُضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العِشار، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع يده عليه)

أي كأصوات النياق التي أثقلها حمل بطنها وقَرُب مخاضها. وتلك من معجزاته، عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام.

جذع أنيلَ الشرف، فوفى، واجتمع له الحَنين، فاستبدَّ به استبداداً، فَرَّق منه الأنين.

وما من أحد إلا وفي بيته ديوان حديث، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم واقف عنده يُفقِّه أمرَ دينه، و يُلقنه شرائع الأسلام، و الوفاء يليق لمثلنا، نتعلمه من الجذع، و نترجمه صُوراً من الاتّباع و الاقتفاء.

وتصون لسانك إلا عن قولك مع عبد الله بن أبي مُليكة:"اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نُفتن"فلأمر ما مما نقول كان هذا الاعتصام بالشجر، في إلحاح يزيد معه المعتصم شدّ نواجذه ضاغطاً، لو تخيّلته، لتردّد قلبك يهتز في قلق، بين رهبة من استرخاء يعتري فيَجرِف، و أمل في إتمام يُنجي.

إلا أن رحيق هذه الشجرة يرويك إذ الناس تلهث عطشاً، ويبل حلقك بارداً، فتضاعف العضّ مُبالغاً، كأنك تمص الثبات راضعاً.

ففهم بُريدة الأسلمي - رضي الله عنه - من ذلك أنها سُنة، فأوصى أن يُجعل في قبره جريدان، فما زال الناس يُقلدونه في ذلك.

وقد لا نخلوا من لمم يكدر صفو العمل، أو من تَتَبع بفضول لما في يد أهل الدنيا من أموال الاستدراج، يكون معه الأرق المتلف، واضطراب النوم، فيضعف الاستعداد للفجر الآتي، ولعل سويعة لك تحت سعف النخيل تخفف لهفك.

فمضى ذلك أصلاً، لم يطرأ عليه الاستثناء إلا في حوادث ضيقة.

و تحاصر جبهات الأحزاب اليوم دعوة الحق، تبثّ إرجافها، متهمة إياها بتخلف عن ركب سياسي مجتمع، فيقصد الدعاة الأشجار المعالم الضخام، فتشهد بانتفاء اللقاء، و عيب النزول بعد الاستعلاء.

وهي شجرة عنب كثيرة الثمر، فكان غارسها إذا مَرَّ به صديق له: اقتطف عنقوداً ودعاه، فيأكله، وينصرف شاكراً.

فلما كان اليوم العاشر: قالت امرأة صاحب الشجرة لزوجها: ماهذا من أدب الضيافة، ولكن أرى إن دعوت أخاك، فأكل النصف، مددت يدك معه مشاركاً، إيناساً له، و تبسطاً و إكراماً.

فقال: لأفعلن ذلك غذاً.

فلما كان الغد، و انتصف الضيف في أكله: مدّ الرجل يده و تناول حَبّة، فوجدها حامضة لا تساغ، وتفلها، و قطّب حاجبية، و أبدى عَجَبه من صبر ضيفه على أكل أمثالها.

قال أبو حيان التوحيدي: فقال الضيف: قد أكلت من يدك، من قَبلُ على مر الأيام حُلواً كثيراً، و لم أحب أن أريك من نفسي كراهة لهذا تشوب في نفسك عطاءك السالف.

و ما هذه من قصص الأغاليط، ولكنه مَثَل ضرب لك أيها الأخ الداعية فاستمع له، ومجاز تدلف منه إلى العدل مفتوح أمامك.

فليس فيمن حولك من انبغت له العصمة و استقام له الصواب، فإن أخطأ معك أخ لك فلا تجرمنَّك كبوته على الهجران، و التأفف، و الضجر و الانتقاص منه، بل ولا على العتاب , إنما تتصبر، و تكظم و تعفو في سرك مستحضراً جمال سابقاته، و جياد أفعاله، و حلو مكرماته، إذ لعله قد أعانك على توبة أو ظاهرك عند تعلمك رديفاً و رفيقاً و سميراً، أو علّمك باباً مما علّمه الله و طريفه.

اسمها: شجرة الزهد.

وهي شجرة قلبية فريدة، و لم يَسبق صاحبها أحد إلى استنبات مِثلها، فجاءت بدعة، و وصفها فقال:

غَرسَ الزهدُ بقلبي شجره بعد أن نقّى بجهدٍ حَجَرَه

وسَقاها إثرَ ما أَودَعها كَبِدَ الأرضِ بدمعٍ فَجَّرّه

ومتى أبصرَ طيراً مُفسداً حائماً حول حِماها زَجَرَه

نمتُ في ظلٍ ظليلٍ تحتَها رَوّح القلبُ و نَحى ضَجَره

تم بايعت إلهي وكذا بيعة الرضوان تحت الشجرة

فانظروا أطوار رعايته لها، وعنايته بها، وكيف بدأ بتطهير قلبه مما هنالك من أحجار الحسد و الرياء و التكبر و سوء الظن، و كيف سقاها بدموع الخشية في الأثلاث الأخيرة، وكيف زجر شياطين الإنس و الجن لما حامت حول بذرتها تبغي التقاطها، وقلِّده، و أفعل فعله: تورق لك أختها، و تتفتّح لك منها الزهور بألوان و عطور، فتنام تحتها كما نام، تستشعر شعور أهل بيعة الرضوان، و كأنك فيهم و معهم، تغمرك نشوة البيعة على الموت في سبيل الله دفاعاً عن الإسلام.

فليس الإمام البنا بآخر غارس في غابة الإيمان، و إنما وضعنا في يدك الفأس، و أعطيناك البذر، فأبذر: تجد الثمر و فيراً، مباركاً.

فاخرج و تجوّل متأملاً: تجد أخلاق الإيمان قد مازجت الخضرة، و إن لكل شجرة تعبيراً عن شيء من محاسن الخصال يمازج سجودها، و يقترن بمظهر عبوديتها لله خالقها.

ومن ها هنا كانت سويعات الخلوة بين الشجر سبب ذكرى للغافلين، و سبيل إنابة.

و مما ينبيك عن صدق ظننا الحَسَن هذا بالأشجار أن الله سبحانه ضرب مثل الكلمة الخبيثة المنافية للتوحيد كشجرة خبيثة، لكنها ليست قائمة، بل اجتُثتْ من فوق الأرض ما لها من قرار.

فليس من شجر واقف إلا و يعظك بكلمة من الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت