ولهذا إن قال قائل قولاً مخالفاً لما ألفته الجماعة وارتضته العامة، أو أفتى فتوى مغايرة لما تهواه، أو جاء برأي معاكس للمعهود المعروف، أنكر عليه أشد الإنكار، و ثرب عليه، وضيق عليه أيما تضييق، وإن دعا الحال حجِّم ومنع من الفتوى والتدريس، بدعوى الغلو والتشدد، وخوف الفتنة وشق الصف، والحرص على لمِّ الشمل، وما علم هؤلاء أنهم المتفلتون، وفي الفتنة ساقطون وهم لا يشعرون، وهكذا يزين الشيطان الباطل، ويلبس على الناس الحق، ويسعى للتهويش والتفريق، ويحسبون مع ذلك أنهم يحسنون صنعاً، ويقدمون معروفاً، ويرجون فلاحاً وصلاحاً، ونسوا أو تناسوا أن الفلاح كل الفلاح في الاعتصام بالكتاب، والسنة، والإجماع، وفي الثبات على ذلك، وفي اتهام الرأي دائماً وأبداً، وفي اتخاذ السلف الصالح قدوة وأسوة، فما لم يكن في ذاك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
اللهم ألف بين القلوب، وبصِّر بالعيوب، واهد إلى المطلوب، وجنبنا التعصب، والهوى، والتقليد، والاستعلاء، وأذهب عنا الغل والبغضاء، وصلى الله وسلم على محمد القائل: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) ، قيل: ومن يأبى ذلك؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) ، وعلى آله وأصحابه الأصفياء، والتابعين الأوفياء، ورضي الله عن علي حين قال: (الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله) ، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، ونسأله أن يعافينا مما بنا من أدواء.
(1) إبراهيم غرايبة