فهرس الكتاب

الصفحة 3304 من 4219

بل وأكثر من مجرد حرمان الصف من خيرهم، فإن الفتنة إذا بدأت مبكرة في المجموعة العاملة، أو جددت وأحيت ما كان قد قطع من جذور فرقة قديمة، فإنها توفر مناخا نفسيا دائما في الأجيال اللاحقة يسمح بتكرار الافتتان، وربما عذر المقلد، وناء الرائد بإثمه، بما سن من بدعة تغري المتأخر وتستجيش.

فمن الناس من جعل الله فيه فطرة صالحة تنكر الفتن، ومنهم من يأبى بعض الهداية فيضله الله، فمن أباها ابتداء: أباها انتهاء، ومن رحب بها ابتداء: طبعت في قلبه سوادًا يظل يتسع حتى يتم أسوداده مع نهايتها، كما ورد في الحديث الصحيح عند مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير، عودا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبيين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًأ، كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه) [1] .

وربما يملك القلب الاستعداد للفتنة، لكن وقت الرخاء والعافية لا يفضحه ويتستر عليه، فإذا اكتنفته الشبهات، وهيجته المهيجات، انفضح وانكشف.

وشبهوه في ذلك بصاحب الصدر المريض، ما أحسن تنفسه أيام الصفاء، فإذا أثارت الريح الغبار: لهث، وضاف نفسه، واختنق.

أو كحوض ماء راكد، ترسب الطين في قعره، تلقي فيه حجرًا صغيرًا فيختلط كله وقد كنت تظنه زلزلا، أما الحوض النظيف، فإن إلقاء الحجر فيه يزيده جمالا، بما أحدث من دوائر الأمواج التي تعكس ظلال الأغصان الخضراء.

(1) صحيح مسلم 1/ 89، وقوله: أسود مربادًا، أي شدة البياض في سواد، وقوله: مجخيا، أي منكوسا، وفي زهد ابن المبارك 504 قوله لعلي رضي الله عنه يقرب من هذا الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت