فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 4219

وبذلك يبتكر داعية اليوم في المراغمة ابتكارا، إذ ليست تنقطع فنونها: أنه لا يحلق بروحه سامية في فلك الشموخ فحسب، بل ببدنه أيضًا، أنهم لن يصلوا إليه، بل في بطون النسور، فيراغمهم ميتا، كما راغمهم حيا.

ضرب بعض الدعاة مثلا لنا في ذلك كمثل أهل قرية، يمر بهم رجل عالم فقيه لا يسمع خلال دورهم أذانا، فيبتئس، ويعظهم، ويطلب منهم حملة يتعاونون فيها على بناء مسجد، فهو الرائد المؤسس.

ثم يتنادون، من كل حسب استطاعته، فيقول أحدهم: أهب للمسجد ناحية من أرضي تبنونه عليها وليس لي مال، ويقول آخرون: لكم أكتافا نخلط الطين ونصنع اللبن، ويقول ثالث: وعلى إقامة اللبن جدارًا، و يتبرع رابع بالأبواب، وخامس بالفرش، وسادس يسرجه وينيره، وسابع يقول: ما عندي كتف ولا مال ولكن صوتي جميل، فأنا المؤذن، ويقول المستضعفون: وعلينا تكثير السواد، والانتظام صفوفا، وإظهار هيبة الإسلام، وتعميره بالتسبيح والتكبير، ثم يؤمهم الرائد، وتقام الصلاة.

فانظر كيف اجتمعت الجهود والهمم بحيث إنك لا تستطيع أن تفضل صاحب الفكرة الفقيه، وتقول: لولاه لما بنى المسجد، ولا صاحب الأرض، ولا من عمل بساعده، ولا المؤذن والمنير، بل كل منهم قد أصاب ووفقه الله لعمل صالح تراكب بعضه على بعض وأسنده.

وكذلك الجهود التي لا بد منها لبناء الدعوة: هي متكاملة، متضافرة، وكلها مهمة، حتى الصغير منها، فلابد من القيادة التي تخطط، ولابد من المفكرين الذين يكتبون، ومن يبشر ويربي، ومن يدير وينظم، وتحتاج الصحفي، وصاحب المال، وذا الجاه، والعسكري، والمفتاح الانتخابي، والطالب، والعامل والفلاح، والمرأة والناشئ الصغير.

وهو جدل بارد، جدل المفاضلة المطلقة بين أنواع الجهود المبذولة لخدمة الدعوة.

فالجهود مترابطة متلازمة، بعضها لبعض ظهير، ورديف، فإن تفاضلت كان تفاضلها نسبيا، تبعا لوقت معين أو مكان معين.

ولإقبال إنكار على مثل هذا الجدل الملهي، يقول فيه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت