وما تدري أهم لسديف يقدمون، وله يقلدون، أم للخليفة العباسي، القائم بأمر الله بن القادر لما تفنن في تضرعه إلى الله تعالى عندما تغلب المفتتن الباطني الفاطمي المسمى بالبساسيري عليه، وأرسل رسالته:
إلى الله العظيم، من المسكين عبده.
اللهم إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، اللهم إنك غني بعلمك، واطلاعك على خلقك، عن إعلامي. هذا -أي البساسيري- عبد قد كفر نعمتك وما شكرك، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيا، وأساء إلينا عتوا وعدوا.
اللهم قل الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع العالم، المنصف الحاكم. بك نعتز عليه، وإليك نهرب من بين يديه فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك، وقد حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا هذه .. ووثقنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين).
وقد علقت رسالة القائم في الكعبة، فقتل البساسيري بعد تعليقها بقليل.
استعلاء .. بعد الموت أيضًا
وفي كل خير، في الخليفة، وفي سديف، ومن كليهما الداعية ينتفع ولإخباتهما يواطئ، فيكون أبدع منهما في دعائه وأبرع، وأتم منهما في انتداب نفسه للمهمة الجسيمة، فإن من أزهر بدعاء حقيق أن يثمر بفعل، فهو في مضى نحو همته، يطلب النصر قرة عين لإخوانه الدعاة، وله الشهادة جزاء، ويلح سائلا:
فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يعلي بخضر المطارف
ولكن قبري بطن نسر مقيله بجو السماء، في نسور عواكف
وأمسى شهيدًا ثاويا في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف
فوارس من بغداد ألف بينهم تقى الله، نزالون، عند التزاحف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف
هكذا في الرواية الراجحة، أنهم من بغداد، وفي روايات أخرى أنهم فوارس من صنعاء، أو من بيروت، أو من عمان، وكل ذلك وارد، وفي وزن الشعر سائغ.
والشرجع: النعش، والمطارف: الأطراف، أي الأيدي، والخائف: المنخفض.