فهرس الكتاب

الصفحة 3328 من 4219

فإن لم يجد الصاحب الجليس الصالح، والمداوي الملين، فإن أمامه خلوة ساعة تذيقة حقيقة اللذة، فإنه (ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل) كما يقول التابعي مسلم بن يسار.

ثم أمامه المحراب، يذكره به التابعي بكر بن عبد الله المزني ويتساءل:

(من مثلك يا ابن آدم؟

خلي بينك وبين المحراب تدخل منه إذا شئت على ربك، ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان).

فإن المرء مطالب بأن ينكر بقلبه كل أنواع الفتن، وأن يستشعر عيبها، ولو لم يدخل طرفا فيها، فإن الاستحسان يوشك أن يغري صاحبه بالولوج.

لذلك لا يعد أحدنا بريئا من هذه الفتن تمام البراءة إلا بمثل هذا الاستقباح.

وقديمًا أبي شريح القاضي أن يمزج نبله وفضله بشيء من آثار الفتن، فلبث تسع سنين كاملات معتزلا فتنة القتال أيام أرسل عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا ليقاتل عنه ويحكم العراق باسمه، كان شريح خلالهن: (لا يخبر ولا يستخبر) مع أن ابن الزبير كان له من التأويل الصادق أكثر من غيره، فقيل لشريح:

(قد سلمت!

قال: فكيف بالهوى) [1] .

وكان هواه مع ابن الزبير.

أي أنه كان يتهم نفسه بعدم البراءة وإن لم يشترك في قتال أو يقف خطيبا مؤيدًا، لأن قلبه كان يميل إلى ابن الزبير.

فإذا كان شأن مجرد الميل القلبي كذلك، فمن باب أولى أن تكون موالاة أهل الفتنة، والتصريح بالرضا عن فعلهم، كالدخول في فتنتهم نفسها، أو منزلة قريبة من الدخول، وإن أبقى الراضي لنفسه صورة الوفاء بالبيعة، ولم ينسب نفسه إلى جمهور المفتتنين.

وخلال سرد الإمام أحمد لأوصاف الزاهد وطبقات الزهاد وعظنا موعظة صريحة، أحيا بها فقه الحسن البصري إمام التابعين فروي استفتاء التابعي عبد الواحد بن زيد للحسن:

قال عبد الواحد:

(قلت للحسن: يا أبا سعيد: أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب، إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلب!!

قال: يا ابن أخي ككم يد عقرت الناقة؟

(1) طبقات ابن سعد 6/ 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت