ومن أمثلة ذلك ما أخرجه الإمام أحمد بإسناده عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:"كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فمرَّ بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فقال: يا غلام هل من لبن؟ قلت: نعم ولكني مؤتمن، قال: فهل من شاة لم يَنْزُ عليها الفحل؟ فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول، قال: فمسح رأسي وقال: يرحمك الله فإنك غلَيِّم معلَّم"(وقد ذكر الحافظ الهيثمي هذا الخبر من رواية الإمام أحمد وأبي يعلى، وقال: ورجالهما رجال الصحيح مجمع الزوائد 6/ 17.
وهكذا رواه أبو داود الطيالسي - رحمه الله تعالى -بإسناده عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وذكر مثله.
وذكره الحافظ ابن كثير والحافظ الذهبي، وصحح الذهبي إسناده البداية والنهاية 3/ 32، سير أعلام النبلاء 1/ 465).
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يحتقر هذا الغلام الذي لم يكن ينتمي لقبيلة قريش وليس له عشيرة بمكة، بل اهتم به وقدر ما يتمتع به من خلق الأمانة الذي يدل على أنه عنصر زكي، فأثنى عليه بالعلم والفهم وأقرأه القرآن حتى أصبح بعد ذلك من قراء الصحابة وفقهائهم.
الدعوة بالتبشير والإنذار
(الجهر بالدعوة ومخاطبة عموم قريش)
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوجه في دعوته إلى أهم الدوافع التي تدفع أصحاب العقول السليمة إلى الاستجابة لدعوة التوحيد، وذلك بإثارة الاهتمام نحو مستقبل الناس بعد الموت، حيث الحياة الخالدة في الآخرة، وذلك في النعيم المقيم لمن أجاب واهتدى، والعذاب المقيم لمن عصى وغوى.
ومع تصديق الكفار له في كل أخباره الدنيوية لما تواتر عنه من الأمانة والصدق فإن أغلبهم ردَّ دعوته، وكاده بعض عشيرته الأقربين.
(1) د. عبد العزيز الحميدي