إنَّ هناك كتباً تحتاج للتحقيق، ككتب العقائد, والفقه, والتأريخ الإسلامي وغيرها من شروحات الأحاديث، وما ننتظره أن يبادر المحققون لتحقيقها، فذلك هو الإبداع والتميُّز، بل إنَّ إخراج كتاب جديد، وتحقيقه على النسخة الخطِّيَّة أحسن فائدة من إخراج مئات من الكتب التي حقِّقت ولم نعلم من حال محققيها إلا اختلاف أسمائهم، وألوان كتبهم، وقلَّ من يكون منهم محققاً مبدعاً أو متميزاً!
من المصائب العظام، والطوام الجسام، انقلاب الموازين، واختلال المفاهيم، وقلة الفقه في الدين، ويزداد الأمر سواءً إذا صحب ذلك بغرور، واستكبار، وتعالٍ، واستظهار بقوة وسلطان.
مما عمت به البلوى في هذا العصر، واشتدت به الكربى على أهل العلم، ما غلب على الأفهام، وطبع في الأذهان، وشاب عليه الكهول، وشب عليه الغلمان، أن الحق يعرف بالكثرة، على الرغم من قوله - تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} ، وقوله: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} ، وقوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} ، وقوله: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ} ، وقال فرعون عن موسى وقومه: {إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} .
ورضي الله عن ابن مسعود حين قال:"الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك"، وقد تكون الجماعة في مخالفة الجماعة، أي الكثرة.
ولذات السبب أطلق البعض على الأشاعرة في الماضي أهل السنة، لكثرتهم وانتشارهم، وفي ذلك تجاوز، في عهد صلاح الدين الأيوبي وما بعده، والسنة لا تعرف بالكثرة، وإنما باتباع الدليل وموافقة ما كان عليه السلف، ومخالفة العقيدة الأشعرية للعقيدة السنية أوضح من أن يدلل عليها.