خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطوطه، فاستيأس الأمل، فبات الأصحاب يحبون أحب الأمرين إلى الله: حياتهم أو الموت.
إلا الفاروق عمر رضي الله عنه، فإنه جمع بين هجر الأمل، والجزع من الموت و كراهته، فاتحاً بجمعه هذين النقيضين باباً يلج الموفق منه إلى زيادة في فقه الدعوة. وذاك حين طعنت المجوسية أبا حفص طعنتها، فثغب جرحه دماً كثيراً أخرجه إلى جَزَعٍ وافقَ دخولَ عبدالله بن عباس، رضي الله عنهما، عليه، فَفَغَر فاه مستغرباً، فقال عمر:"أما ما ترى من جزعي، فهو من أجلك وأجل أصحابك".
و بهذه الحروف اختتم رضي الله عنه سيرة أتعبت كل دعاة الإسلام من بعده.
فالحياة يطلبها الغيور طلباً، ويجزع لورود الموت جزعاً، لما سيحول بينه وبين خدمة المسلمين والقيام بأمور دعوة الإسلام.
وغدا هذا المفهوم، بهذا المقدار، يمثل الوجه الآخر للتربية الحركية الكابحة لانطلاق الآمال الدنيوية، يمارس الداعية خلال نظره المتكرر إليها إيجابية تبعده عن يأس سلبي وتزهيد بالعمل يسببه نظر ناقص إلى مجرد كبت الآمال.
· مدرسة الكوفة تواصل الذكرى
ولئن كشفت هذه الكلمات في نهاية خلاقة عمر - من جانب - للغافلين سر ما رآه المسلمون منه من تعب و سهر و تفكّر، فتأهبوا للاقتداء، فألهاهم عبدالله بن سبأ زمن عثمان رضي الله عنه، وأذهلهم، فإن تشميراً رآه الناس في بداية خلافة علي رضي الله عنه، كان بحاجة - من جانب آخر - بعد ذاك الذهول، إلى كلمات أخرى تعظهم، و تعيب عليهم أملاً وجد له أثناء سنوات الفتنة مجال نمو، بردت معه همم المقتدين.
و من هذه الحاجة نشأت مدرسة الكوفة في التذكير بالموت، إذ طفق علي رضي الله عنه يجمع الناس في مسجد عاصمته، ويصارحهم و يقول:"إنما أخشى عليكم اثنين: طول الأمل، و اتباع الهوى، فإن طول الأمل يُنسي الآخرة، و إن اتباع الهوى يصد عن الحق". و تنتدب جمهرة من فقهاء أصحابه نفسها لمعاونته، فيقوم الصحابي الأغلب بن جشم العجلي بعده، فينشد بين يديه قصيدته التي مطلعها:
المرء تواقٌ إلى ما لم ينل و الموت يتلو، ويلهيه الأمل
فيتلوه سيد زهاد التابعين: أُويس بن عامر القرني، فيقول:"يا أهل الكوفة: توسّدوا الموت إذا نمتم، واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم".
حتى إذا قُتل علي بعدما خشعت القلوب وادكرت استمرت ثلة من أصحابه على سمته في الوعظ، فكان الربيع بن خثيم يقول لهم:
"أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله". ويحفر له قبراً، ويأخذ ينزل فيه كل يوم يتمدد، ثم يقوم يذكر لهم مشاعره لما يكون بقعره.
ويذكر سعيد بن جبير لهم مقدار تصفية كلمات علي لقلبه، فيقول:"لو فارق ذكر الموت قلبي: خشيت أن يفسد عَليَّ قَلبي"
وكل هؤلاء: سعيد، والربيع، وأويس، رحمهم الله، والأغلب رضي الله عنه، من ثقات أهل الكوفة الذين رباهم علي رضي الله عنه، فلما ماتوا: أورثوها لآخرين يحفظون للكوفة سمتها، فكان عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الهذلي يرتقي المنبر و يسألهم:"كم من مستقبل لا يستكمله، ومنتظر غداً لا يبلغه. لو تنظرون إلى الأجل و مسيره، لأبغضتم الأمل و غروره"
فإذا نزل: صعد عمر بن ذر، فخطبهم:
"أما الموت فقد شَهَرَ لكم، فأنتم تنظرون إليه في كل يوم وليلة، من بين منقول عزيز على أهله، كريم في عشيرته، مطاع في قومه، إلى حفرة يابسة وحجار صُم، ليس يقدر له الأهلون على وِساد إلا خالطه فيه الهوام، فوساده يومئذ عمله. ومن بين مغموم غريب، قد كثر في الدنيا همّه، وطال فيها سعيه، وتعب فيها بدنه، جاءه الموت قبل أن ينال بغيته، فأخذه بغتة. ومن بين صبي مرضَع، ومريض موجَع، ورهن بالشر مُولَع، وكلهم بسهم الموت يُقرع"
فلما مات هؤلاء النفر، واجتمع علمهم وعلم شيوخهم عن علي في سفيان الثوري: تولاها طريقة، واتخذ الموت نشيداً، حتى قال أحد تلامذته:"ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكر الموت، وما رأيت أحداً أكثر ذكراً للموت منه"
وهكذا أعطت مشيئة الله تعالى لمدرسة الكوفة من بعد عمر بن الخطاب دَورها في رقابة سواء سبيل أمة الإيمان، وحفظه من الإنحراف وطغيان الآمال، وشَرفها، فتمثلت بها بقية نهي عن الفساد، تكثر حيناً، أو تقل من دون انقراض، ليست دعوة الإسلام المعاصرة غير استرسال في كفالة القدر لوجودها، وما وراثتنا لها إلا وراثة قربى في النسب واشتراك في المورد.
· فبرز لها بالشام عمر
وكان الذي رويناه من استدراك عمر بن عبدالعزيز في أواخر المائة الأولى حلقة ضمن دعوة البقية الرقيبة على سير القرون، اتصلت بمدرسة علي الكوفية عن طريق عون ابن عبدالله، وعمر بن ذر، وأعشى همدان الشاعر، الآنف ذكرهم، اتصالاً اعتيادياً كما هو شأن العلم في تقلبه في البلاد، و شأن البقية الناهية في تقلبها عبر القرون، لكنها حلقة استطاعت أن تستأثر بحيازة إعجازين قصرت عنهما الحلقات التي بعدها:
* إعجاز أكسبه إياها موضع الخلافة العالي، فشخصت القدوة المهابة من بعد بعض انقطاع، فتسارع الإصلاح، فاختصر الزمان، فكانت هنيهة قصيرة أثرت دهوراً طويلة * وإعجاز بلاغي آخر، وليد تفكر وعمر، وربيب نغمة من فصاحة عربية كانت ما تزال تنساب من فيه، بها فضح عيب تمتع جيله بأسلاب الهالكين، وبها راد لقرون تليه خبر موت أعمله حدسه أنها ستكون عنه من اللاهين، فحدثها حديث صدق عن:
(قبور خرقت الأكفان، ومزقت الأبدان، ومصّت الدم، وأكلت اللحم. تُرى: ما صنعت بهم الديدان؟ مَحَت الألوان، وعفرت الوجوه، وكسرت الفقار، وأبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء.
تُرى: أليس الليل والنهار عليهم سواء؟
أليس هم في مدلهمة ظلماء؟
كم من ناعم و ناعمة أصبحوا وجوههم بالية، وأجسادهم عن أعناقهم نائية، قد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دماً وصديداً، ثم لم يلبثوا والله إلا يسيراً، حتى عادت العظام رميماً. قد فارقوا الحدائق، فصاروا بعد السعة إلى المضائق).
ثم راح ينادي حتى صحل صوته:(ياساكن القبر غدا، مالذي غرك من الدنيا؟
أين دارك الفيحاء؟
و أين رقاق ثيابك؟
ليت شعري كيف ستصبر على خشونة الثرى، وبأي خديك يبدأ البلى؟)
وبمثل هذا: استأسر فقهاء الأمصار لعمر، فجمع قلوبهم حوله، و جعلهم له أعواناً في تعميم رشده، و أخرجهم إلى مشاركة جماعية في تعليم الأمة و تربيتها، متناسقة مع أسلوبه، أغنت حكمه عن سيف وحساب، و استثمر بها طاقات خير دفينة مغروسة في أصل فطرة الناس، قدم لها منه القيادة، فقدمت له منها المتابعة.
· مدرسة البصرة تؤيد:
ولئن أسرع عنبسة أو القرظي الاستجابة لعمر، في أرهاط من الشاميين والمدنيين، فإن الحسن البصري، عبر عن سيادته الجيل الأوسط من التابعين طراً، وبتأثير ما اقتبسه من علي ومدرسته الكوفية، قد أنزل البصرة مكانة التقدم في التأثير التربوي في الأمة من قبل أن يحكم عمر، مكنها من بعد أن تسبق الربوع الأخرى في إعادة رسم خطوط حصار الأمل، ورواية قصة الرقاد الطويل، وتأكيد مذهب عمر وترويجه، حتى غدت مواعظ الحسن أداة تربوية، تكتب في نسخ وتوزع مع بريد الخلافة كما توزع الصحف اليوم، فيجد المسلم المرابط في أقصى الثغور في شدة نبراتها حماسة يهتز بها للشهادة قلبه، تعادل رقة يرجف لها بدن المتعلم العاكف، والساذج المزارع، و التاجر الساعي.
وهكذا وافقت دمعات الرشد فهماً لدى إمام البصرة، وبدأت الآمال تقصر بمآل إلى الردى يصوره الحسن و يحذرها أهوالاً تستقبلها ليست سكرات الموت إلا بواكر حسابها وعَتب أبوابها، فراح ينادي:
(المبادرة، المبادرة.
فإنما هي الأنفاس لو حسبت: انقطعت عنكم أعمالكم , إنكم أصبحتم في أجَل منقوص، والعمل محفوظ، و الموت - والله - في رقابكم، و النار بين أيديكم، فتوقعوا قضاء الله عز و جل في كل يوم و ليلة.
لقد فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لُب فرحاً و إن أمراً هذا الموت آخره، لحقيق أن يُزهد في أوله.
وإن أمراً هذا الموت أوله، لحقيق أن يُخاف آخره)
· ميزان بصري في فقه الدعوة
وصاغ الحسن خلال ذلك ميزاناً إيمانياً يقدم له الواقع المرئي كفاية من دلائل الإقناع، ربما نشتق له اسم (ترجيح التخويف) ، ساقه في صورة خطاب، فقال:"إنك والله لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تدرك أمناً، خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف"
وهو ميزان يمثل بعضاً مما أضافه الحسن إلى فقه الدعوة. فالخوف العاجل عنده، المؤدي إلى التقوى، المؤدية إلى أمن آجل في ظلال الجنان: خير من مدّ عريض للنظر إلى صفات الله سبحانه في الرحمة واللطف والغفران.
وكلاً من الحالتين تُراد، والأمر في حقيقته معلق بنسبية واضحة، ربما أوجبت تخفيف رهبة البعض بأبواب من الرجاء أغلقتها عليهم شدة الخشية، ولكن هذا المعدن فريد، والغرور يلف الجمهرة العظمى، وما من دواء له إلا الإخافة بقصة التلال الهامدة.
و في التنبيه على هذه النسبية يقول ابن الجوزي:
"إذا رأينا أرباب الدنيا قد غلبت آمالهم، وفسدت في الخير أعمالهم: أمرناهم بذكر الموت والقبور والآخرة فأما إذا كان العالم لا يغيب عن ذكره الموت، وأحاديث الآخرة تُقرأ عليه، و تجري على لسانه، فتذكاره الموت زيادة على ذلك لا تفيد إلا انقطاعه بالمرة."
بل ينبغي لهذا العالم الشديد الخوف من الله تعالى، الكثير الذكر للآخرة، أن يشاغل نفسه عن ذكر الموت، ليمتد نَفَس أمله قليل، فيصنّف، و يعمل أعمال خير""
· مدرسة بغداد تجنح للبساطة
وقد أضافت المدرسة البغدادية من بعد تلك المدارس تطويراً مهماً إلى فقه الزهد وكبت الآمال .. يوم أدخلت عنصر البساطة في التذكير على لسان رائدها بشر بن الحارث الحافي لما أتاه آت وطلب منه الموعظة فقال له:
"إن في هذه الدار نملة تجمع الحبَّ في الصيف، فتأكله في الشتاء، فلما كان يومٌ: أخذت حبة في فمها، فجاء عصفور فأخذها والحبّة، فلا ما جمعت أكلت ولا ما أمَّلت نالت"
هذه هي الحياة عند بشر: إنسان يجمع، فيأتيه الموت، فيأخذه وما جمع.
هكذا، بلا أبيات شعر، ولا ألوان من الجناس والبديع نطلبها اليوم تشغلنا عن جوهر المواعظ.
لأولي الألباب كفاية بيوميات العصفور والنمل.
ثم بلغت هذه البساطة البغدادية ذروتها لما تولى الإمام أحمد زمام التربية، فذهب فيها لأبعد مما ذهب قرينه بشر، فسكت، حتى أن الكتب تكاد أن لا تورد له في المواعظ قولاً، وعوّض تلامذته وأجيال الأمة عن ذلك بوجه معبّر كأنه يطلع إلى القيامة، وصبر على العذاب والإغراء ثبتت به الأمة إزاء دعاية المبتدعة، وسيرة في التعفف و التقلل تستحي منها نوايا الإثراء.
فلما مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وانتقل شيخ البخاري الحسن بن عبدالعزيز الجروي من مصر إلى بغداد وسكنها، وصار في عداد البغداديين: رأى ضرورة استمرار القدوة الصامتة، فم يأخذ من إرث أبيه شيئاً، لشبهة خالطته، وقال:"من لم يردعه القرآن والموت فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع"
قال صاحب تاريخ تنيس:"وكان أبوه ملكاً على تنيس، ثم أخوه علي، ولم يقبل الحسن من إرث أبيه شيئاً، وكان يُقرن بقارون في اليسار"
· التربية بالاعتراف:
وطفق المربون بعد أحمد والحسن الجروي يمارسون طريقتين في التربية: فمن حاز مرتبة أحمد وزهده و ورعه و حياة قلبه: قلّده في سكوته، وترك حاله تخبر الأبصار.
ومن لم يحز مثل سمو أحمد، ولبث دون ذلك: سلك طريقة الاعتراف، فيستفزُّ الأسماع، كما استفزها الخليفة العباسي الراضي بالله، لما جمع ببغداد الغافلين، وحاول من بعد المتوكل أن يتشبه بعلي وعمر بن عبدالعزيز و يقلد طريقتهما، فراح ينشد لهم من نظمه:
كل صفو إلى كَدَر كل أمنٍ إلى حَذر
ومصير الشباب للموت فيه أو الكَبِر
أيها الآمل الذي تاه في لُجّة الغَرَر
أين من كان قبلنا دَرَسَ الشخصُ والأثر
سيردُ المعارَ من عمرُه كله خَطر
ربّ أني ذخرت عندك أرجوك مُدّخر
إنني مؤمن بما بين الوحي في السوَر
و اعترافي بترك نفعي وإيثاري الضَرر
رب فاغفر لي الخطيئة يا خَيرَ من غَفَر
أو كما استفزها بالأندلس آخر، حين راح يعترف:
إلى كم أقول ولا أفعلُ و كم ذا أحوم ولا أنزِلُ
وأزجر عيني فلا ترعوي وأنصح نفسي فلا تَقبلُ
و كم ذا تعلّل لي، ويحَها بِعَلَّ وسوف وكم تمطل؟
وكم ذا أُؤمل طول البقا وأغفل والموت لا يغفلُ؟
و في كل يوم يُنادي بنا منادي الرحيل: ألا فارحلوا
كأن بي وشيكاً إلى مصرعي يُساق بنعشي ولا أُمهلُ
· و بعد:
و بعد يا داعية الإسلام .. إنَّ من جَدّ وجد، وليس من سَهر كمن رقد. فلا تكن ممن تضمّه الكتائب، وقلبه عن المشاركة غائب. و هذا الموت منك قيد شبر الشابر.
و هذا دبيب يُسارق نفسك ساعتها.
و إن سِلَعَ المعالي غاليات الثمن، و إنما ثمنها اتباع مدارس الكوفة والشام، ومدرسة إمام البصرة الحَسَن , فانظر لنفسك.
و اغتنم وقتك.
(فإن الثواء قليل، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والحظر عظيم، والناقد بصير)
وفقنا الله و إياك.