العدل مع العدو والصديق:
فالكثير من الناس إذا ذكر له صديقه أثنى عليه ولو كان يعلم أنه لا يستحق ذلك الثناء، وإذا ذكر له خصمه ذمّه ولو كان يعلم أنه خلاف ما يقول.
فهل يستطيع الداعية أن يذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليه ممن يكون مثله في المنهج والطريقة؟! أو يكون شريكا له في عمل ما؟!
وهل يستطيع أن يثني بصدق على إنسان يختلف معه في بعض الأمور؟
إن كان يستطيع ذلك فقد حقق العدل في هذا الجانب، ولكن أكثر الناس يجورون على خصومهم فيذمونهم بما ليس فيهم، ويجورون أيضا على أصدقائهم فيمدحونهم بما ليس فيهم .. وهذا وإن كان مظهره مظهر المحبة والثناء إلا أن حقيقته الجور والذم، فمن أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمّك، لأن الناس يتطلبون هذه الخصلة فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها، والله تعالى قد أمرنا بالعدل حتى مع الأعداء فقال: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
ومن المحزن أننا وإن سلّمنا بذلك نظريا، إلا أننا من الناحية العملية سرعان ما ننسى هذا الدرس، فحين نقف على ما نعده نحن خطأ من فلان نسقطه من الحساب، ولا نعبأ به، ولا نلتفت إليه، وكثيرا ما تنسينا محاسن الشخص الكثيرة عيوبه القليلة، أو تنسينا عيوبه الكثيرة محاسنه القليلة.
لا بل الأمر أدهى وأمر!
ولعل الحقيقة أنه كثيرا ما تنسينا العيوب القليلة المحاسن الكثيرة .. وننسى القاعدة الشرعية"إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث!!" (1) .
(1) نص حديث رواه أحمد وأهل السنن وصححه الطحاوي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي والنووي وابن حجر. انظر إرواء الغليل (1/ 60) .
ب- العدل في تقويم الكتب:
فحينما تقوم كتابا فليس من العدل أن تقول إنه يحوي أحاديث موضوعة أو ضعيفة - مثلا - أو آراء شاذة، فتذكر هذا الجانب المظلم، وتنسى جانبا آخر موجودا في الكتاب، وهو أنه يحوي توجيهات مفيدة، أو أبحاثا علمية.
إن ذكرك لنصف الحقيقة وإهمال النصف الآخر منها ليس من الأمانة.
والكثير من الناس بمجرد أن يرى خطأ في كتاب ما يحذَره ويحذّر منه، لأنه ساق حديثا ضعيفا، أو أخطأ في مسألة، ولو عاملنا كتب أهل العلم بهذا المقياس ما بقي لنا كتاب.
صحيح البخاري - وهو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى - هل حاز على الكمال المطلق؟ كلاّ، فقد بيض لبعض المواضع، لم يضع تحت بعض الأبواب أحاديث، فيه أحاديث معلقة غير موصولة، وفي بعض روايات الصحيح اختلاف.
ولا يخلو كتاب بعد كتاب الله من النقص والخطأ، فلا ينبغي أن نذكر عيوب كتاب ومثالبه، إلا ونذكر إلى جانبها محاسنه ما كانت له محاسن.
ج- العدل في الحكم على الدعوات والحركات:
منذ سقوط الخلافة الإسلامية قامت في العالم الإسلامي دعوات وحركات كثيرة تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية والحكم الإسلامي، أو إلى استمرار الدعوة بين غير المسلمين، أو إلى إحياء السنة، أو ما شابه ذلك من الأهداف النبيلة.
وهذه الدعوات تختلف في منهاجها وأسسها وأهدافها، وتختلف في قربها أو بعدها عن منهج الكتاب والسنة.
وقد تحدث كثيرون عن هذه الدعوات ودرسوها من جوانب مختلفة، والأمر الذي تكاد أن تفقده في كثير من هذه الدراسات هو"العدل"، فكثير من الكتاب ما بين منتم لهذه الدعوة، معجب بمناهجها وطرائقها فهو يكيل لها المدح كيلا، ويدعي وصلا بليلى! وآخر متحامل عليها لا يرى فيها إلا كل نقيصة، وبين هذا وذاك تضيع الحقيقة.
والله تعالى يحب العدل، ويكره الجور، ومن قصّر في جانب فلا يلزم أن يكون مقصرا في كل جانب، ولا يسوغ أن تنسيك سيئاتهم الكثيرة حسناتهم القليلة.
أحيانا تسمع البعض يتحدث عن فئة من الدعاة إلى الله فيحولهم إلى مجموعة من الشياطين حتى يفسّر نطقهم بالشهادتين تفسيرا يصرفه عن معناه المباشر الظاهر، ويؤول تصرفاتهم تأويلا قد يصدق في بعضها ولا يصدقها في كثير منها، والتعميم في هذا الموضع خطأ، بل يجب لمن تصدى للحديث عن الدعوات ومناهجها التفصيل والدقة وضبط العبارة وذكر الجوانب المشرقة إلى جوار الجوانب المعتمة.
وأئمة أهل السنة والجماعة كانوا يذكرون أهل البدعة فيذمونهم ويحذرون منهم، لكنهم يذكرون مع ذلك مقاماتهم في الرد على من هو أشد منهم بدعة، أوفي دعوة بعض الكفار إلى الدخول في الإسلام، بحيث يتحولون من كفار إلى مسلمين مبتدعين، وهذا خير من بقائهم على الكفر الصحيح بلا ريب، أو في ردّ بعض هجمات الأعداء العسكرية، أو في أعمال خيرية قاموا بها.
فمن العدل ألا نتجاهل بدعتهم بحجة أنهم أحسنوا في أمور، كما لا نتجاهل حسناتهم بحجة أنهم أصحاب بدعة، بل نجمع بين الأمرين.
د - العدل في النظر إلى الجهود والأعمال الدعوية:
هناك جهود في ميدان الدعوة إلى الله تعالى لا ترتبط بفئة معينة، فهي عمل جهادي أو دعوي تضافرت عليه همم المؤمنين، أو طوائف منهم، وهي جهد بشري يخطئ ويصيب، وليس له من العصمة نصيب، ولذلك فإن من المصلحة الظاهرة أن"تقوّم"هذه الأعمال تقويما صحيحا معتدلا، يحقق الانتفاع بالإيجابيات وتوسيعها وتعميقها، وتلافي السلبيات والخلاص منها، لئلا تتكرر الأخطاء نفسها ويعود المسلمون من حيث بدؤوا.
ولكن هذه المصلحة الظاهرة قد تضيع بين طرفين:
طرف يرى هذا العمل كاملا لا عيب فيه، فيرمي بسهام الاتهام والشك كل من يوجه نقدا أو ملاحظة.
وطرف لا يبصر إلا العيوب، حتى لا يكاد يرى في هذا العمل شيئا يمكن الانتفاع به!
· خذ مثلا: الجهاد الأفغاني .. جهاد ما يزيد على عشر سنوات من العرق والدمع والتضحية والسهر والعناء!
قد تجد من يصوره على أنه خال من الأخطاء، بريء من العيوب، حتى كأنه جهاد الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يقبل فيه النقد والتوجيه والملاحظة.
وفي المقابل قد تجد من يتحدث عن المجاهدين فيصمهم بالجهل والبدعة دون ترو أو تفصيل، ويتعلل بأن منهم من يعلق التمائم!، أو بأن عندهم بدعا في بعض المساجد، بل تجاوز الأمر أن صرّح أحدهم قائلا:
هؤلاء مشركون يحاربون ملحدين!!
وقرأت بخط أحدهم تعليقا طائشا عن إحدى الجماعات السلفية هناك، بأنّ من لم يكفرهم فهو كافر!!
فإذا كان هذا حكمه على فئة سلفية .. فما بالك بغيرها؟! والله المستعان.
أين ميزان القسطاس الذي وضعه الله لهذه الأمة؟
وهل هذا هو الاتباع الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان يعرف للناس أقدارهم، ولا يبخسهم أشياءهم، وكان يثني على الإنسان بما فيه من خلال الخير، إذا كان ثم مصلحة - ولو لم يسلم من الأخطاء!
أليس قد أثنى - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي، ووصفه بأنه «ملك لا يظلم عنده أحد» (1) مع أنه حينها كان كافرا لم يسلم بعد؟!
إن هناك فئة من الدعاة قد تنظر بعين واحدة، إما بعين الرضا فتنسى العيوب والأخطاء التي تعرف لتعالج وتقوم، وإما بعين السخط التي لا ترى إلا المساوئ:
وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
(1) رواه ابن إسحاق في السير والمغازي (213) والبيهقي (9/ 9) وأحمد في المسند (5/ 290) وإسناده حسن لحال ابن إسحاق.
إذا كان المحبّ قليل حظٍّ ... فما حسناته إلا عيوبا!
ويجب أن يتطلع الدعاة إلى الأحكام العادلة التي تمسك الميزان من وسطه وتنظر نظرة معتدلة متوازنة تحرص ألا تتأثر بالعواطف سلبا أو إيجابا:
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
هـ - العدل في التعامل مع النصوص الشرعية:
وهذه النصوص المحكمة كلها"دين"يجب قبوله وطاعته والإيمان به، وليس شيء منها"مهجورا"ما دام محكما غير منسوخ.
ومن العدل أن تتوازن في النظر إلى هذه النصوص، فلا تأخذ منها نوعا وتهمل نوعا آخر، خاصة النصوص الواردة في موضوع واحد، أو في موضوعين متقابلين.
· هناك من يأخذ نصوص الوعيد كحديث «لا يدخل الجنة قاطع» (1) ، أو «لا يدخل الجنة قتات» (2) ، أو «كفر بالمرء تبرؤ من نسب وإن دق» أو .. أو .. ويبنى على ذلك تكفير الخلق بهذه الأعمال ونحوها اعتمادا على ظواهر هذه النصوص وينسى أو يتناسى النصوص الأخرى الواردة في الوعد والرجاء، كحديث عتبان «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (3) . أو «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبد الله ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح مريم، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (4) .
· وفي الطرف الآخر هناك من يعكس المسألة فيأخذ نصوص الرجاء وحدها، ويؤمن الناس من مكر الله ويغفل نصوص الوعيد.
(1) رواه البخاري (5984) ومسلم (2556) وأبو داود (1996) .
(2) رواه البخاري (6056) ومسلم (105) وأبو داود (4771) والترمذي (2127) .
(3) رواه البخاري (4623) ومسلم (33) .
(4) رواه أحمد (5/ 314) والبخاري (3435) ومسلم (28) والترمذي (2640) .
{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} [الأعراف: 169] .
والعدل أن نأخذ بهذا وذاك، ونضع هذه في كفة، وتلك في أخرى حتى يعتدل الميزان ويستقيم.
ومن العدل بين النصوص الشرعية العدل بين الكليات والجزئيات، فالدين كله لله، وليس فيه شيء يجوز أن يهون من شأنه، أو أن يتجاهل أو يهمل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم، لما أجاب جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم» (1) .
ولذا لو أنكر الإنسان أمرا معلوما من الدين بالضرورة متواترا قطعي الثبوت لكان بذلك كافرا ولو كان هذا الأمر الذي أنكره سنة أو فرض كفاية كركعتي الفجر والآذان ونحوهما.
فليس في الدين"قشور"أو"توافه"كما يحلو لبعض المتعجلين والهاجمين على القول بدون ثبت ولا روية أن يعبروا.
(1) رواه البخاري (50) ومسلم (1009) وأبو داود (4698) والنسائي (4990) .
إنما هناك أولويات كالبداءة بأمور العقيدة، وتقديم الكليات على الجزئيات، فأنت حين ترى على إنسان مجموعة أخطاء فمن الحكمة أن تبدأ بالخطأ الأكبر قبل الأصغر، فليس من الحكمة أن تلومه على بعض الأذكار المسنونة وهو يخل بواجبات الصلاة أو أركانها، وليس يسوغ أن تبدأ معه رحلة النصيحة بنهيه عن التدخين وهو يقع في الشرك.
والتدرج في الدعوة ثابت في وصية النبي صلى الله عليه وسلم، لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فقال: «إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» .. الحديث" (1) ."
فتقديم الأهم فالمهم شريعة نبوية، كانت جزءا من منهجه صلى الله عليه وسلم في الدعوة العملية، وهي جزء من وصيته لصحابته المبلغين عنه.
(1) رواه البخاري (1458) ومسلم (19) وأبو داود (1584) والترمذي (625) والنسائي (2435) جميعهم من حديث ابن عباس.
وبعض الدعاة المخلصين قد تتحول عنايتهم وينصب اهتمامهم على مجموعة مسائل جزئية، هي مهمة دون شك لكن ثمت ما هو أهم منها، وليست مهمة الناصح أن يصرف اهتمام الدعاة عنها بالكلية، أو يزهدهم فيها، كلا.
بل مهمته أن يعمل على وضعها في مكانها الطبيعي الذي يليق بها، ووضع المسائل الأخرى التي تكبرها في مكانها الطبيعي أيضا.
كنت يوما أشرح للطلاب في دروس"بلوغ المرام"حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، فإن رأى فيهما أذى فليمسحه وليصل فيهما» (1) .
فرأيتها فرصة مناسبة لشرح المنهج المرضي في مثل هذا الحديث.
فأولا: ذكرت السنن الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألة الصلاة في النعلين، وهي إجمالا خمس:
الأولى: أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعمد أحيانا خلع نعليه في الصلاة كما في حديث عبد الله بن السائب: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره» (2) .
(1) رواه أبو داود (652) .
(2) رواه أبو داود (648) والنسائي (776) .
الثانية: صلاته صلى الله عليه وسلم، في النعلين كما في حديث أبي سعيد، ومثله ما رواه أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: «سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم» (1) .
الثالثة: أنه كان يصلي حافيا ومنتعلا كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (2) يعني: تارةً هكذا وتارةً هكذا.
الرابعة: الأمر بوضع النعلين بين رجليه، ولا يضعهما عن يمينه ولا عن يساره إلا أن لا يكون عن يساره أحد، كما جاء في حديث أبي هريرة (3) وغيره.
الخامسة: الأمر بالصلاة فيهما كما في حديث شداد بن أوس: «خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم» (4) .
ثم ثنيت بذكر آراء الفقهاء في المسألة وهي ثلاثة:
1 -رأي يقول بالكراهة، نقل ذلك عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري.
2 -وآخر يقول بالاستحباب وهو مذهب الأكثرين كعمر وعثمان وعلي وأنس وابن مسعود وعطاء ومجاهد وطاوس وشريح .. الخ.
(1) أخرجه البخاري (386) ومسلم (555) والترمذي (400) والنسائي (775) .
(2) رواه أبو داود (653) .
(3) رواه أبو داود (654 - 655) .
(4) رواه أبو داود (652) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
3 -وثالث يقول بالجواز إذا لم يكن فيها نجاسة، كما رجحه ابن الخطابي وابن دقيق العيد وابن بطال والنووي وغيرهم، أي: ليست الصلاة في النعل بمستحبة عندهم، وزعم ابن دقيق العيد أن ملابسة النعل للأرض التي تكثر فيها النجاسات يقصر به عن أن يكون زينة يستحب أخذها للصلاة.
ثم ثلثت بالترجيح لما يقتضيه الدليل الصحيح الصريح، وهو استحباب الصلاة في النعل، على أن يراعى في ذلك أمور:
أ - أن ينظر فيها ويطمئن إلى سلامتها من الأذى أو القذر كما أمر به صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي سعيد.
ب- ألا يترتب على ذلك تشويش أو تشويه، فإن رفع الأصوات في المساجد والجدل العريض، والهجر في المقال وامتلاء الصدور بالكراهية والبغضاء والتدابر، بل وترك الصلاة مع الجماعة إمعانا في التعبير عن الغضب .. كل ذلك قد يفعله بعض الناس ممن كان يحتاج إلى تأليف قلوبهم. وفي بعض المجتمعات يفرح أعداء الدعوة وأعداء المنهج الصحيح بمثل هذه الأعمال، ويستغلون جهل الناس بالسنة ليلصقوا بالدعاة التهم الباطلة، وينفروا الناس منهم.
ج- ضرورة ترتيب الأولويات، فنحن نريد تصحيح عقائد الناس، وتحذيرهم من ألوان الشرك الظاهر والخفي، ونريد حمل الناس على فعل الفرائض والواجبات، والامتناع عن المحرمات، كما نريد حثهم على الالتزام بالسنن والمستحبات، وترغيبهم في تجنب المكروهات.
وليس يصح في النظر السليم أن أصرّ على تعليم الناس سنة من السنن مهما كلف ذلك من جهد، لتكون النتيجة أن يرفضوا هذه السنة بجهلهم، ثم يرفضوا من دعاهم إليها فلا يقبلوا منه صرفا ولا عدلا.
وسلّم الأولويات الشرعية يبدأ بتعليم أصول العقيدة، ثم فعل الفرائض وترك المحرمات، ثم أداء السنن وترك المكروهات، وهي كالضروريات، ثم الحاجيات ثم التحسينيات.
وباختصار: نحن بحاجة إلى"درء التعارض"بين العناية بالكل، والعناية بالجزء، وإزالة الفكرة الكاذبة التي توحي بأن الاهتمام بالكليات يلزم منه إهمال الجزئيات، أو العكس، وأن نجمع اهتمام الدعاة على نسق واحد، يعطي كل ذي حق حقه.
وليس عيبا أن يدرس الداعية أو يدرّس هذه السنن التي ينكرها الناس كتقصير الثياب إلى وسط الساق، أو جلسة الاستراحة في الصلاة، أو تحريك الأصبع في التشهد، بل هي مسائل ورد فيها نصوص شرعية ينبغي للمتخصص أن يكوّن منها رأيا واجتهادا، شريطة ألا تلهيه عن غيرها، كما يدرّب الشباب على تطبيقها في خاصة أنفسهم وفيمن يقبل منهم ويأخذ عنهم، وفي الأزمنة المناسبة، وفي الأمكنة المناسبة، ويتركوها - احتسابا لوجه الله - حين يرون المصلحة الشرعية في تركها، وليس خوفا من ألسنة الناس أو أقوالهم على أشخاصنا:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منك وقاء
وليس من العدل أن نكتب في موضوع جزئي ما يزيد على أربعة عشر بحثا .. في حين نترك الوقائع والنوازل الكبيرة في الأمة يسير الناس فيها على غير هدى، ويتخبطون بآرائهم الشخصية، أو باجتهادات ناقصة لم تتوافر فيها لآلات الاجتهاد الصحيح.
وهناك من يقع في الخطأ المقابل، فيشتغل ببعض الكليات ويقلل من شأن الجزئيات.
يقول أحدهم: أنا سلفي، وعندما أنظر إلى شخصية"عمر"أنظر فيها إلى عمر الذي نشر العدل بين الناس، عمر الذي كان يقول: لو عثرت بغلة في العراق لشعرت أن الله سائلني عنها، لمَ لمْ تسو لها الطريق يا عمر؟
ولست أنظر إلى شخصية عمر الذي يقصّر ثوبه ويطيل لحيته!! كما ينظر إليه بعض"الصبية"!!.
يا سبحان الله!
ولماذا نشطر شخصية"عمر"فنجعل منها"عُمَرين"، عمر العادل المجاهد المتحمل لمسئولية البغلة بالعراق، وعمر الملتزم بالسنة في هيئته وثوبه وعمله؟
حاشا عمر رضي الله عنه، فإنه ما كان يؤمن بهذه"الثنائية"وهذا الانشطار وإليك الدليل:
· لما جاء عقبة بن عامر رضي الله عنه يبشره بفتح الشام، وقد ركب إليه أسبوعا من الجمعة إلى الجمعة حتى وصل المدينة، وأخبره بالفتح، فكبر لذلك وسر المسلمون من هذا النصر المؤزر.
ثم نظر عمر إلى خفي عقبة، فقال له: منذ متى لبستهما؟ قال: منذ أسبوع وأنا أمسح عليهما! فقال له عمر: أصبت السنة (1) .
والأثر صحيح كما يقول ابن تيمية (2) وغيره.
(1) رواه البيهقي (1/ 380) .
(2) الفتاوى (21/ 178) .
فلم يكن اشتغال عمر رضي الله عنه بمسألة الفتوح وإخضاع العالم لحكم الإسلام مانعا له عن بحث مسألة فرعية جزئية - في نظر البعض - وبيان السنة فيها حسب رأيه واجتهاده.
· وحين كان أمير المؤمنين في فراش الموت كان همّ الخلافة من بعده مما يقلق باله، وبال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسألة الخلافة مصلحة عامة جوهرية خطيرة، لكنها - على أهميتها - لم تشغل عمر عن المباحثة والمفاهمة في بعض الجزئيات، فكان مما فعل - وهو طعين - أنه دخل عليه غلام من الأنصار، فأثنى عليه خيرا فلما خرج رأى عمر في ثوبه طولا، فقال: ردوا علي الغلام!! فردوه فقال له: يا ابن أخي! ارفع إزارك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك! (1) .
وبعد لحظات التفت إلى من حوله من الصحابة فقال لهم: ما تقولون في مسألة إرث الجد مع الإخوة؟ فتحدثوا، فقال عمر:"إني كنت رأيت في الجد رأيا فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه! فقال عثمان رضي الله عنه: إن نتبع رأيك فإنه رَشَد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فلنعم ذو الرأي كان!! (2) "
هذا عمر رضي الله عنه!
(1) رواه البخاري (3700) من حديث عمرو بن ميمون.
(2) رواه الدارمي (2916) عن مروان بن الحكم.
تنسجم عنده الكليات والجزئيات في مزيج عذب، لا يطغى فيه لون على لون، ولا طعم على طعم، وفي بناء متكامل لا يغني فيه شيء عن شيء.
و- العدل في النظرة الشمولية للإسلام:
فالدين جاء ليحكم شئون الحياة كلها، على مستوى الفرد والجماعة، وفي الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية وسواها، وقد عاب الله تعالى على بني إسرائيل ووبخهم بقوله:
{فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14] .
فالتحزب على جزء من الدين، ونسيان الأجزاء الأخرى هومن ميراث الأمم الهالكة، ومن أعظم أسباب الفرقة والخلاف بين الدعاة. فتجد طائفة من المسلمين تهتم بالإسلام التعبدي، فتعنى بقيام الليل، وكثرة الذكر، وقد تضيف إلى ذلك بعض الترتيبات التي لا أصل لها في الشرع وربما تسرب إليها شيء من التصوف العجمي الانعزالي حتى لقد حدثني أحدهم بلهجة المسرور أن أحد الجواسيس الغربيين جلس معهم طويلا ثم كتب عنهم أن هؤلاء لا ضير منهم، فهم يتحدثون فيما تحت الأرض وفيما فوق السماء!!
تبارك الله!
في القبر والموت والعذاب والنعيم، وفي الله والملائكة والآخرة!
أما ما فوق الأرض فلا شأن لهم به!
وتجد طائفة أخرى تهتم بالإسلام السياسي، فجهادهم هو في ميدان تكوين الأحزاب السياسية، وحشد الأنصار، والفوز بالانتخابات، والدخول في المجالس والبرلمانات .. وتربية الشباب على الجهاد السياسي.
وتجد فئة ثالثة عنيت بالإسلام العلمي، فهي تتعلم السنة والحديث، وتشتغل ببيان صحيحها من سقيمها، وتحذر الناس من رواية الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد يصحب ذلك شيء من الجفاء أو ضعف التعبد أو الغفلة عن واقع الأمة وما يدبر لها.
وقبل أن يسبق إلى ذهن أحد معنى يكرهه أبادر وأقول:
أولا: الإسلام يشمل الجوانب الثلاثة كلها، وغيرها، فهو دين جاء ليربط العبد بربه تعبدا ورجاء وخوفا، ومن ثم جاءت الشعائر التعبدية، وهو دين جاء ليحكم حياة الناس ويدير شئونهم، فليس كهنوتا ولا رهبانية، ولا عزلة عن واقع الحياة، والسياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام، فالجهاد في هذا الميدان بكل وسيلة مباحة مؤدية للغرض المقصود يجب أن يكون جزءا من هم الداعية.
وهو دين جاء ليضبط التعبد، ويضبط الحركة في واقع الحياة، بضابط الكتاب والسنة فلا يكون هناك مجال للعواطف المجردة، ولا للأمزجة الشخصية، فلا بد من العلم بالكتاب والسنة حتى نصحح عباداتنا وأعمالنا.
إذن: كل هذه المجالات مما جاء الدين بالدعوة إليه، والحث عليه.
ثانيا: قد يعجز فرد أو أفراد أن يحيطوا بهذه الأمور كلها في دعوتهم إلى الله، فالطاقة محدودة إذا صرفت لشيء فربما بخست شيئا أخر، أو أضرّت به، فضلا عن أن ما رُكّب عليه الناس من الطبائع والنظرات ونوعية الاهتمامات قد يجعل الإنسان بطبعه أميل إلى أحد هذه الأمور. فمثلا قد يكون في الإنسان زهد ونسك وخير كثير، لكنه لم يرزق آلة العلم الشرعي، فليس من أهله.
وهنا نقول: قد علم كل أناس مشربهم، وكل ميسر لما خلق، وقد كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، الفارس المقاتل الشجاع كخالد بن الوليد، إلى جوار العالم المتهجد الفقيه كابن عباس وابن مسعود، إلى جوار المتعبد المتزهد الذي يصيح بالناس قولا وفعلا: لا تركنوا إلى الدنيا، كأبي ذر رضي الله عنه.
ومن مجموع هذه الشخصيات وغيرها يتكون البناء الإسلامي المتكامل.
وقد يوجد فيه من يكونون مجمعا للفضائل - وهو قليل - وعلى نطاق الصحابة رضي الله عنهم تجد أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم وهم من الصحابة أكثر منهم فيمن جاء بعدهم.
ثالثا: يجب أن يكمل بعضنا بعضا، وألا يكون تنوع الاهتمامات مدعاة للتطاحن والتناقض والتنابز واتهام كل طرف للآخر.
فهذا يتهم ذاك بالجهل، وذاك يتهم هذا بالإغراق في بحث الجزئيات والغفلة عن واقع الحال، والثالث يتهم الآخرين بالجفاء والجفاف، والركون إلى الدنيا وهكذا .. كلا ..
بل يقول كل مؤمن لأخيه، إنه قام بما قصر فيه هو من فروض الكفايات وسد عنه ثغرة ما كان يستطيع سدها، ويدعو له بظهر الغيب، ويحمي ظهره من طعن الطاعنين.
فلا"نتحزّب"على جزء من الدين، ونحارب من يتهم بجزء آخر، بل إن قصرنا في أمر شكرنا من يقوم به عنا، وشتان بين الأمرين.
رابعا: ويجب ألا يشغلنا ما نذرنا أنفسنا له - من علم أو تعبد أو جهاد سياسي أو غير ذلك - عن الجوانب الأخرى أن نأخذ منها بنصيب، فليس يسوغ للداعية - أيَّا كان - أن يجهل ما يكون تعلمه فرض عين على كل مسلم، كمعرفة العقيدة الصحيحة، ومعرفة أحكام الوضوء والصلاة والصيام ونحوها، ومعرفة ما يحتاجه في حياته العملية كآداب المعاشرة للمتزوج، وأحكام الزكاة والتجارة أرباب الأموال، والأحكام المتعلقة بالعمل أو المهنة كالطب أو الهندسة أو غيرها.
وهذا هو العاصم - بإذن الله - عن أن يكون اهتمامنا بشيء ذريعة إلى الغلو فيه وترك ما عداه.
فإن العناية بالعبادة إذا لم يصحبها علم شرعي صحيح، مبني على الدليل من الكتاب والسنة قد تؤدي إلى التردي في مهاوي التصوف.
والعناية بالدعوة إذا لم تبن على فهم صحيح، ومدارسة للنصوص، وتحصيل علمي قد تؤول إلى جمع الناس على بدعة أو حشدهم على غير شيء. وهكذا.
ز- العدل مع الواقع:
فالبعض من الدعاة يعيش في هذا العصر، وكأنه في القرن الخامس الهجري! لا يعرف عصره، ولا يدري ما يقع حوله، ويفاجأ بالأحداث. كما يفاجأ بها رجل الشارع!
صعد خطيب من الخطباء في إحدى القرى وفي يده كتاب يقرأ منه، فكان مما قال في آخر خطبته أن دعا لأمير المؤمنين السلطان العثماني فلان، أن يخلد الله ملكه، ويؤبد سلطانه!!
ولم يدر أن جسد هذا الخليفة أصبح طعاما للديدان في قبره، وأن ملكه أصبح نهبا للشرق والغرب!
وهذه الصورة"الصارخة"من"الغيبوبة"قد لا تتكرر كثيرا، لكن ثمت صور ألطف منها تتكرر بصفة دائمة.
أحد الشباب سألني قائلا: حزب البعث، ما هو حزب البعث؟ ما هي عقائدهم الأخرى غير مسألة الكفر بالبعث؟!
ظن أخي أن سبب تسميته بحزب البعث، لأنه يكفر بالبعث، كما سمي القدرية لأنهم ينكرون القدر!!
إن المسلم قيم على عصره، وشاهد عليه، فهو يعيش هموم المجتمع، ويدرك تيارات الفكر واتجاهات السياسة، ويحرص على إيجاد الحلول الصحيحة للوقائع الجديدة، وعلى مقاومة الانحرافات بعد معرفتها وإدراك جذورها، ولن يستطيع نقض مناهج الفكر الغربي من لا يعي جذورها وظروفها ومنطلقاتها.
وليس من الضروري أن يصبح كل داعية كذلك، لكن لا بد أن يَنْفُرَ من المؤمنين طائفة ليقوموا بهذه الفريضة، وعلى المستوى العام لا بدّ أن يكون للداعية نافذة على الواقع يدرك من خلالها أهم الأحداث المحيطة به، ويستطيع أن يكون مرشدا للناس إلى السلوك الصحيح حيالها.
وفي مقابل أولئك المنعزلين عن الواقع يوجد من يحوّل هذا النزول للواقع إلى نوع من الانهزامية، والبحث عن المسوغات والمبررات ليقول إن ما عليه للناس موافق للإسلام، أو يحاول التخلي عن بعض الأمور الشرعية مجاملة للواقع، أو خضوعا لضغطه النفسي.
والعدل هو التعرف على الواقع ومحاكمته إلى دين الإسلام، وتصحيح انحرافاته بحسب الإمكان.
ح - العدل في التعامل مع الخلاف:
الخلاف من طبيعة البشر {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118 - 119] .
ولا شك أنه يختلف ويتفاوت باختلاف النيات والمقاصد، واختلاف العقول والمدارك، واختلاف العلوم، والتعامل مع الخلاف يتطلب موقفا شرعيَّا. بعض الدعاة يدعو إلى وحدة الصف وجمع الكلمة ونسيان الخلاف دون تحديد ضابط دقيق لمن يمكن الوحدة معه، ومن تجب مفاصلته لبدعته وضلاله وانحرافه.
وفي الطرف الآخر هناك من يبالغ في الشروط، حتى ليريد من الناس أن يوافقوه في كل شيء، حتى في اجتهاداته الشخصية الفردية، وآرائه الخاصة، فإذا خالفه أحد في بعض ذلك أعرض عنه، واتخذ منه موقف المناوئ، وأصبح لا يأبه به ولا يقيم له وزنا!
والعدل يقتضي تقبل الخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه كالوسائل الدعوية، والفرعيات، والأحكام التي اختلف فيها السابقون .. ونحو ذلك مما بني على اجتهاد شرعي في فهم النصوص، لا على مجرد الميل والتشهي .. فمثل هذا يحتمل، ويكون الأمر فيه واسعا.
أما التسامح مع أهل البدع الاعتقادية الغليظة، والانحرافات الجوهرية بحجة توحيد الصف فمسلك تلفيقي لا يمتّ إلى العقل ولا إلى الشرع بصلة.
وأما مطالبة الناس بالاتفاق على كل شيء، وألا يختلفوا في شيء البتة فضرب من المحال والخيال، لا يتصوّر إلا في عقول السذّج.
نحن بحاجة إلى داعية يملك قلبا يحترق على واقع الإسلام والمسلمين وعلى أوضاع الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، يعطف على إخوانه ويحقق قوله سبحانه {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29] ولا يكون شأنه شأن الخوارج في الدهر الأول الذين يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان.
إن المؤمن ينبغي أن يكون شديدا على الكفار رحيما بالمؤمنين ويحقق في نفسه قوله صلى الله عليه وسلم، «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» .
وقوله «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» .
فنحن بحاجة إلى من يحس بآلام إخوانه المسلمين، فإذا سمع بمصيبة حلت بإخوانه تألم لها ولو كان لديهم بعض التقصير والابتداع.
كان الشيخ محمد رشيد رضا يتألم لواقع المسلمين وتظهر أحزانه على قسمات وجهه حيث تحل بأحد المسلمين مصيبة أو قارعة، ويفرح إذا كان الأمر على العكس من ذلك حتى إن والدته عرفت عنه هذا الخلق فإذا رأته حزينا كاسفا سألته مالك يا ولدي: أمات اليوم مسلم بالصين؟ فهي قد أدركت أن أحزان ابنها وأفراحه مربوطة بأحوال المسلمين يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم وهذا هو الولاء الحقيقي للمسلمين.
· ومن هذه العاطفة أن يملك الإنسان قلبا يتأثر لأخطاء المسلمين وانحرافهم عن الدين، فيحزن لانتشار الفسق والمعاصي بينهم حزنا لا يدفعه لاعتزالهم إنما يدفعه لأن يشعر أنه كالطبيب معهم يحاول إنقاذهم فإن لم يدرك ذلك كله فليقلل من هذا الانحراف بقدر ما يستطيع.
وينبغي أن تدعوه هذه العاطفة للغيرة على نفسه وزوجه وولده فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويمنعهم من ارتكاب ما يسخط الله عز وجل.
كثيرون هم الدعاة الذين يتحدثون عن الإسلام لكن الذي يملك عاطفة حقيقة حية قلة من هؤلاء، وإذا تحركت العاطفة في قلب الداعية أثمرت دعوة ونصيحة ومشاركة لآلام المسلمين في كل مكان. أما حين يفقد الإنسان هذه العاطفة فيُصبح يعيش لنفسه وولده وزوجه، يعيش ليستمتع ويتلذذ بما حوله وينسى هموم المسلمين فإنه حينئذ يكون قد تخلى عن حقيقة الولاء للمؤمنين، وإن دندن في أحاديث حول الدعوة والدعاة، ومصائب المسلمين، و .. و .. إلا أنه يكون كالنائحة المستأجرة.
وما أكثر الذين تعودوا على كلام يرددونه في المناسبات .. وحفظوا عبارات يسمعونها ويتلونها دون أن تنطلق من حماس وغيرة على الدين وأهله ..
فآهٍ لهذه الأمة .. ما أحوجها إلى قلوب تحترق!