بهذا الوضوح ـ أيها الدعاة ـ تنتصر الدعوات .. بوضوح أحمد بن حنبل يوم المحنة، وبوضوح سيد قطب حين سئل عن النظام في المحكمة فقال كافر، وحين قيل له: لو قدمت استرحامًا؟ قال: إن أصبع السبابة التي شهدت لله بالوحدانية لترفض أن تكتب حرفًا واحدًا تقر فيه حكم الطاغية.
لماذا أسترحم؟ إن كنت محكومًا بحق فأنا أرتضي حكم الحق، وإن كنت محكومًا بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل.
بمثل هذه النماذج تتأثر الجماهير، وتتبع الأجيال، ويقلد الشباب.
بمثل هذه النماذج تنتصر الدعوات، بالدماء التي تراق، وبالأرواح التي تزهق، وبالأشلاء التي تتناثر، لا باللف والدوران والمخادعة الجاهلية والنفاق والتقية، وعدم معرفة الباطن من الظاهر، والتلون بتلون الحرباء، فهذا لا يقيم دعوة ولا ينصر دينًا.
(( يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) ) (آل عمران:200)
الأحداث في العالم الإسلامي تتلاحق، والمتغيرات السياسية تتابع، والصراع بين الإسلام والكفر ينتقل من طور إلى طور، ومن دائرة إلى أخرى .. والمسلمون في جميع الأحوال كالأيتام على موائد اللئام!
ولقد ورثت الصحوة الإسلامية المعاصرة تركة مهترئة من الانحراف والتخلف الذي أصاب الأمة الإسلامية بعامة، نتيجة قرون متتابعة من العجز والضعف، ولن ينهض بها من هذه الكبوة جهود أفراد معدودين مهما بلغت إمكاناتهم وقدراتهم. بل هي في حاجة لكل الطاقات والجهود، يُكمل بعضها بعضًا، ويُسدد بعضها بعضًا .. والعمل الإسلامي بفضل الله - تعالى - سائر بكل ثقة واطمئنان، يشق طريقه على الرغم من كثرة العراقيل والعقبات، ولكن ألم يسأل الواحد منا نفسه في يوم من الأيام: ما دوري في هذه المسيرة؟! وماذا قدمت لخدمة هذا الدين؟!