ومن ذلك: جواز الجمع بين المصلحتين والخيرين، فتقرن بين مصلحة الجماعة في إخراج المخالف عن صفها، حفاظًا لوحدتها ابتعادًا عن جدل يعوق تسارع انطلاقتها، وبين مصلحة المخالف في احتمال أوبته إذا رفقت به وأصغيت لبعض الحق الذي معه، مما أساء التعبير عنه وجنح عن الصواب إذ ابتغي الدلالة عليه.
إننا قد ننسى البديهات أحيانًا في غمرة التفتيش عما يحل المعضلات، حتى لنكاد نجهل منطق الجمع بين المصالح في زحمة البحث مع الفقهاء عن المخرج عند تعارضها.
فذلك خبر سكينة القلب في الصدر الواسع، وبها يؤذن لداعية الإسلام أن يفهم تجربة سلفه، ليطورها، ويدفعها إلى خلف ينتظر.
فللناس في الماضي بصائر يهتدي عليهن غاو، أو يسير رشيد
هكذا هي التجارب، بصائر هادية، تهبك الاتزان إذا أوقعتك الغفلة في غواية، وترسم لك الطريق إذا أردت الصعود.
إنها علم أصيل، واضح في إشارته، قوى في برهانه، ولذلك زادك الشاعر فأوصاك أن:
اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ضاع قوم ليس يدرون الخبر
إنه خبر من قبلنا يصوغ خبرنا لمن بعدنا، فيريهم مدى اتعاظنا بالذي يرويه، ومن انقطع سنده وفقد الاتصال: تاه وتخبط، بما يهدر من طاقته في محاولات فاشلة طرقت بابها زمرة سابقة فلم يفتح لها، أو بما صرف نظره عن علامات في الطريق هاديات إلى الغاية، نصبها له من اقتحم آنفا.
ولذلك فإن الوعي يظل ناقصا ما لم يكن إضغاء من طالبه لقصص الرواد، والأصل أن:
كل ما علك الدهر أعلم فالتجاريب علوم الفهم
وذاك أساس تنبني عليه مواعظ فقه الدعوة، ومجرى يتنقل بك في أودية الانتفاع، يمنعك أن تتفلت تفلت الضياع، ويدع قضية الإسلام عزيزة بك، إذ أنت في مسالك الانسياب، هادئًا تارة، وتيارًا مجتمع الزخم تارة أخرى.