( .... فأما الزبد فيذهب جفاء. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال) [1] .
** وعلى أية حال، فإن أصل كراهية مدح الذات أو جوازه كاستثناء، يخضعان لقاعدة (إنما الأعمال بالنيات) . ومردها إلى إخلاص المرء ومقدار ما يستشعره من مصلحة دينية أو دنيوية من المدح وضده ضمن الضوابط الشرعية، والتوازن في هذا الأمر مطلوب، كأي أمر آخر في الشريعة، وعلى كل داعية أن يستوعب وصية الفقهاء: أنه:
(لا ينبغي أن يجهل من نفسه علمها، ولا أن يتجاوز بها قدر حقها، ولأن يكون بها مقصرا، فيذعن بالإنقياد، أولى من أن يكون بها مجاوزا، فكيف عن الازدياد، لأن من جهل حال نفسه، كان لغيره أجهل ... ) [2] .
القائد الداعية كتلة مشاعر، ومجموعة عواطف، وذهن يتأمل، وقلب يتجولا.
يجب أن ندع له مجال الاجتهاد حتى وإن قيدناه بخُطة، وعلينا أن نترك لفراسته دوراً، ولذوقه مجالاً.
أحياناً نقيد القائد، ونجرده من أي حرية في اختيار الأعوان، ثم نطلب منه أن ينجز المعجزات. أليس ذلك من العجب؟
ما كان علي رضي الله عنه عاجزاً، بل هو قمة في التقوى والعلم والشجاعة، ولكن خذله أصحابه.
لا يحتاج صاحب الإخلاص إلى تذكير الآخرين بما عنده، وما هو بحاجة إلى دعاية أو دفاع عن النفس، إنما هو مثل زهرة ينتشر ريحُها ويجبر المار بجوارها على الالتفات والاستمتاع بشذاها الزكي حتى لو لم يرها أول مرة ..
(فمن أصلح سريرته: فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فاللهَ اللهَ في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر) [3]
وليست المنزلة أن تنال لقباً أو أنْ توضع في الصدارة، ولكنّ المنزلة أن تحتل حيّزاً في قلوب المؤمنين، وأنْ تنادي ملائكةُ السماء أهلَ الأرض أن الله تعالى أحب فلاناً فأحبوه ....
(1) - سورة الرعد/17.
(2) - أديب الدنيا والدين للمارودي /84/ 86.
(3) صيد الخاطر لابن الجوزي / 207