فلا يتكلم إلا حقا صدقا، إذ: (يروي أن الفتنة لما وقعت قال طلق بن حبيب: اتقوها بالتقوى .. ) فهي دواء عام يوصف لكل أعراض الفتن، ولكن خصص بكر بن عبيد الله المزني مذهبين من مذاهب التقوى المتعددة لأصحاب الدرجات العالية، فقال: (لا يكون الرجل تقيا حتى يكون تقي المطعم، وتقي الغضب) [1] .فالداعية المرتقي لا يكمل إلا بأن يكون غضبه لله، فإن كان: وصل إلى قمة أحمد بن حنبل، وشاركه في الفخر باعتلائها، فإنه كان:
(يغضب لله ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، فإذا كان في أمر من الدين: اشتد غضبه حتى كأنه ليس هو) [2] .
وإنما تتحقق هذه الصورة بإلجام اللسان، فلا يدعه حرًا، وازنًا كل كلمة يفوه بها، ألا يتهم بريئا أو يحتج يظن مجرد أو يستنجد بسخرية وتنابز، فيقطع المحسن إحسانه بسببه، ويعتزل العزيز.
وذو التجربة يعرف ما يكمن في الكلام وطبائع نبراته من إمكانات الإصلاح والإفساد، فيتعود الحذر، ويدقق في وزن حروفه، إذ هاهنا يظهر الورع، فليس غير النادر الشاذ من الناس يستعمل يده ورجله للبطش والأذى، لكنه اللسان اللسان الذي أشار إليه عمر بن الخطاب فقال:
(لا يعجبنكم من الرجل طنطنته، ولكنه من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس فهو الرجل) [3] .
طنطنة التفاخر والتفيقه، وأمانة الدعوة، وأعراض الدعاة العاملين.
ولذلك قال يونس بن عبيد:
(يعرف ورع الرجل في كلامه إذا تكلم) .
واعتبر الشاعر الرد الخاطئ جناية، فقال يصف مجادلة:
أخطا ورد علي غير جوابي وجني علي فقال غير صواب
وباللسان الطاهر: سبق من سبق، وتقدم أبو بكر بدر بن المنذر المغازلي الزاهد صحبه بمراحل، فقال الإمام أحمد:
(من مثل بدر؟
بدر قد ملك لسانه) [4] .
ملكة وسيطر عليه، وتصرف فيه كيف شاء الورع لا كيف ينطلق الهوى.
(1) الغنية للشيخ عبد القادر الكيلاني 1/ 143.
(2) مناقب أحمد/ 218.
(3) زهد ابن المبارك/ 234.
(4) تاريخ بغداد 7/ 104، 6/ 8.