أوقده الزاهد ابن السماك واعظ هارون الرشيد لما: (قال له صديق الميعاد بيني وبينك غدًا نتعاتب) كأنها كانت هفوة من ابن السماك أو زلة تعكر لها قلب صديقة. فقال له ابن السماك رحمه الله تعالى: (بل بيني وبينك غدًا نتغافر) .وهو جواب يأخذ بمجامع القلوب، ملؤه فقه وواقعية، يشير إلى وجود قلب وراء هذا اللسان يلذعه واقع المسلمين، وتؤلمه أسباب تفرقهم. وكذلك يكون استدراك الوازن لتسرع الحساس. فلماذا التعاتب المكفهر بين الإخوان؟ كل منهم يطلب من صاحبه أن يكون معصومًا. أليس التغافر أولى وأطهر وأبرد للقلب؟ أليس جمال الحياة أن تقول لأخيك كلما صافحته: رب اغفر لي ولأخي هذا، ثم تضمر في قلبك أنك قد غفرت له تقصيره تجاهك؟ أو ليس عبوس التعاتب تعكيرا تصطاد الفتن فيه كيف تشاء؟ بلي والله. ولقد كان شاعر أسبق من دعاة يدعون الفقه، فراح يمرح ويتغنى ... من اليوم تعارفنا ونطوي ما جرى منا
فلا كان ولا صار ولا قلتم ولا قلنا
وإن كان ولابد من العتب فبالحسنى
ثم يأبى إلا أن يزيد مرحه، فيبدل نغمته:
تعالوا بنا نطوى الحديث الذي جرى
ولا سمع الواشى بذاك ولا درى
تعالوا بنا حتى نعود إلى الرضا
وحتى كأن العهد لم يتغيرا
لقد طال شرح القال والقيل بيننا
وما طال ذاك الشرح إلا ليقصرا
من اليوم تاريخ المحبة بيننا
عفا الله عن ذاك العتاب الذي جرى
ثم يبدل نغمته ثالثة، ويتملق أصحابه ليديم محبة أخوية لذيذة قد ذاق طعمها الفريد، فيقول:
تعالوا نخل العتب عنا ونصطلح
وعودوا بنا للوصل والعود أحمد
ولا تخدشوا بالعتب وجه محبة
له بهجة أنوارها نتوقد
فلا تخدش أيها الداعية، بالله عليك، وجه محبة منيرة لا زالت فذا فيها والناس من حولك تستهلكهم العداوات، وإلا وضعت نفسك على شفير الاستهلاك ... إن التغافر خير.