فهرس الكتاب

الصفحة 3326 من 4219

(إنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق) [1] .

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يرى إلا حقا.

فليحذر صاحب الهوى أن يكذب كذبة ينصر بها هواه إلى حين سريع الزوال، فتبلغ كذبته الآفاق، ويحملها البريد، وتنزل بها حروف المطابع، فتزل بها أقدام، فيفعل الزبانية بشدقه ومنخره وعينه مثل ما فعلوا بهذا الذي رآه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ولمثل هذا كان عقلاء الناس دوما يرون للصدق مكانة أرفع من مكانته التي يراها له العامة، مثل إياس بن معاوية بن قرة الذي هو من سادة الثقات ودهاة العلماء، فإنه كان يقول:

(امتحنت خصال الرجال، فوجدت أشرفها: صدق اللسان) [2] .

وإن صدقا في مساومة على شراء طعام في سوق لهوى أهون من أن يحفل به هذا النابغة هذا الاحتفال، لكنه كان يريد معنى وراء ذلك، يعرفه الرجال.

صدقا عرفه الحافظ المحدث إسحاق بن راهوية الحنظلي، فتناوله، فأدى به إلى الإمامة وسيادة الآفاق، فقال تلميذه الإمام الدرامي:

(ساد إسحاق أهل المشرق والمغرب بصدقه) [3] .

وثقات المحدثين الصادقين من أهل زمانه كثير عددهم ألوف بعد ألوف، لكنها المبالغة في الصدق سودت إسحاق عليهم.

والقلب الحي يرى في توبة كعب وطريق إسحاق مواعظ، ودعوة للاقتداء.

وللمفتون ما يختار.

ومن حكمة عمر في هذا الباب أيضًا قوله:

(لست بخب، ولا يخدعني الخب) .

والخب، فتح الخاء وكسرها، هو: المخادع الخبيث الذي يسعى بين الناس بالفساد.

وهذه الدعوة مباركة، تربي أبناءها على أن لا يكونوا أخبابا، بل تؤلف أرواحهم، وتريهم أنوار الفطنة، وتعلمهم النية الصالحة والقول الطيب، وتحذرهم سهام الشيطان، والتأويل المستدرج، ثم توجه الرهط المخطئ منهم نحو تربية تستدرك.

ولكنها دعوة مفتحة الأبواب، قد يختلس الخب فرصة، فيلج على حين غفلة من الحارس، ويتخفى دهرًا.

(1) صحيح البخاري 9/ 56.

(2) تهذيب التهذيب 1/ 391.

(3) طبقات الشافعية 2/ 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت