فمنهم قانع راض بعيشته ومنهم موسر والقلب مفتقر
والنفس تشبع أحيانا فيرجعها نحو المجاعة حب العيش والبطر
فيختار القناعة، ويرضى بغني القلب، وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، ولذلك يجب استمرار خوف أحدنا من بقية عمره، حذرًا أن يوسوس الشيطان له بنكوص، وهو الله وحده يثبت القلوب، ومن هنا كانت المحاسبة ركنا أساسيًا في الاختيارات التربوية الإيمانية التي أرشدنا إليها الإمام البنا رحمه الله، وأوجب علينا:
(أن نحاسب أنفسنا على الماضي، وعلى المستقبل، من قبل أن تأتي ساعة الحساب، وإنها لآتية ...
على الماضي: فنندم على الأخطاء، ونستقيل العثرات، ونقوم المعوج، ونستدرك ما فات، وفي الأجل بقية، وفي الوقت فسحة لهذا الاستدراك.
وعلى المستقبل: فعند له عدته، من القلب النقي، والسريرة الطيبة، والعمل الصالح، والعزيمة الماضية السباقة إلى الخيرات.
والمؤمن أبدًا بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه) [1] .
فإن طريق الوفاء نحن فيه.
وإنك بمجرد أن تكون داعية: تعادي.
وإنه لقانون يبشر به ورقة بن نوفل نبينا -صلى الله عليه وسلم- فيقول:
(لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى) .
عداوة تطلق لمروءة ورقة العنان فيقول:
(يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك) .
ثم يبادر فيبايع:
(إن يدركني يومك: أنصرك نصرًا مؤزرًا) [2] .
وهكذا سن ورقة في أمتنا سنة المبادرة المبكرة إلى التعاهد، فألزمنا من بعده .. لا فكاك.
وفي ذلك إشارة قوية إلى ما يجب أن يكون عليه الداعية من همة الوفاء، وأن عليه نصر يوم الدعوة الفاضل.
45 -خروج المخاطر الباذلة:
فإن عملنا هو عمل تعرضي، وما هو بمجرد عمل سياسي بحت، ولا هو بالعمل التربوي المجرد، وإنما نحن حركة لدعاتها مخارج ومخاطرات، وبذل.
(1) عن العدد الخاص من الدورة القديمة من مجلة الدعوة.
(2) صحيح البخاري 1/ 6.