فهرس الكتاب

الصفحة 754 من 4219

لئن كان الدعاة إلى الله قد فقهوا طريق الاستدراك، ورفضوا الانصياع للفساد الذي استشرى، وتمردوا على عملية الترويض، وبدأوا جهود تثبيت وتربية لأولي الفطرة الصحيحة، فإن غيرهم بات يتألم لواقع المسلمين و يتأوه، ولا يعدو إبداء الحزن، وقبع في بيته أو مسجده، يلفه اليأس، تاركاً دعاة الإسلام وحدهم في المعركة، يظن أنه بحزنه قد أبرأ ذمته، بل ربما يظن أنه قد كسب المناقب.

وليس الأمر كما ظن وإن اقترن بحزنه ما يثاب عليه ويؤجر، فإن المسلم الذي يبغي درجات الكمال يحزن لواقع المسلمين، لكنه يترك بيته وراءه ظهرياً، و يتصدى للناس، واعظاً وناصحاً ومربياً، وخائضاً بهم دروب الجهاد.

قال ابن تيمية رحمة الله:"قد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه، فيكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، كالحزين على مصيبة في دينه، وعلى مصائب المسلمين عموماً، فهذا يثاب على مافي قلبه، من حب الخير وبغض الشر، وتوابع ذلك، ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة، نهي عنه، وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه"

فافهم هذا يا من تتمنى أن يغير الله الأحوال بلا عمل منك ومن أمثالك.

وحولك من يعمل و يناديك ...

أيها المشدود في تيه الأماني

خفف الآهات دع عنك التواني

لا تبالي إن بغت كف الزمان

واعتصم بالله ذا أسمى وأفضل

أنت تدري أيها الحيران عنّا

كيف فوق الشمس أزماناً حَللنا

أيها المذهول لا تيأس فإنا

لبناء الأمة العصماء نعمل

فكن من العاملين أيها المبهور.

إنك إن كنت تعرف أنا خير من يعمل، و أطهر من يتصدى، فلم تهرب منا؟

"إن الحسرة والتألم وتصعيد الزفرات ليست سوى وسيلة سلبية لا تجرح قوى الباطل - بل لا تخدشها -، وهي لا بأس بها لكنها تنقلب إلى أمر بالغ الخطورة إذا لم يعقبها عمل إيجابي مثمر، إذ تكون وسيلة لامتصاص النقمة على الأوضاع الفاسدة، ومن ثم الركون إليها، وعلى أحسن الفروض: استمرار هذه النقمة، ولكن بشكل جامد لا حياة فيه يؤدي إلى شلل الحركة. وليس أفضل لقوى الباطل من هذا الوضع"

وإنما الصواب في كل حين أن تسلك طريق الهمة، وهو الطريق الذي وصفه قدوة العراق آخر الزمان العباسي، الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله، فكان ينادي أهل بغداد بصوته الهادر أن:"سيروا مع الهمم العالية"

لا تتواروا ولا تنسحبوا، بل سيروا مع الهمم العالية.

ولا زال هذا الطريق هو الطريق المعبد الوحيد في خارطتنا.

أما الجبن، والانزواء، والتأوه، فصحارى مهلكة.

وجرب غيرك الأعوان، وأعطاك النتيجة، فقال:

لي معينان: همة واعتزام.

لم يجد غيرهما. و خانته بقية الأعوان.

وعونك المخلص ما أوصلك إلى اللذة الصادقة في الحياة. ومغشوش واهم ذاك الذي يظن اللذة فحسب لذة القرب من الزوجة والأولاد والأموال ونيل الترقيات الوظيفية.

و إنما السعادة في رضى الله.

و إنما اللذة لذة البذل والفداء.

و نداء الشيخ عبد القادر يأتينا عبر القرون:

"أنتم غفل عما القوم فيه، تواصلون العَناء في الكد على النفوس التي هي عدوتكم. ترضون أزواجكم بسخط ربكم عز وجل. كثير من الخلق يقدمون رضا أزواجهم وأولادهم على رضا الحق عز وجل".

وما بغير البذل ينطق قاموسنا،"لكن يغلط الجفاة في مسمى الحياة، حيث يظنونها التنعم في أنواع المآكل و المشارب و الملابس و المناكلح، أو لذة الرياسة و المال و قهر الأعداء والتفنن بأنواع الشهوات، ولا ريب أن هذه لذة مشتركة بين البهائم، بل وقد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان؛ فمن لم تكن عنده لذة إلا اللذة التي تشاركه فيها السباع و الدواب و الأنعام فذلك ممن ينادي عليه من مكان بعيد. ولكن أين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا خالط بشاشته القلوب سلى عن الأبناء والنساء والأوطان والأموال والإخوان والمساكن، ورضي بتركها كلها والخروج منها رأساً , وعرض نفسه لأنواع المكاره والمشاق، وهو متحل بهذا منشرح الصدر به، يطيب له هجر ابنه و أبيه و صاحبته و أخيه لا تأخذه في ذلك لومة لائم، حتى أن أحدهم ليتلقى الرمح بصدره و يقول: فزت و رب الكعبة. و يستطيل الآخر حياته حتى يلقي قوته من يده و يقول: إنها لحياة طويلة إن صبرت حتى آكلها، ثم يتقدم إلى الموت فرحاً مسروراً"

هذا ما نعرفه من شأن الداعية. لا يكون كامل العبودية لله حتى يصل إلى مثل حال إبراهيم عليه السلام، لما استسلم وأطاع ووضع السكين على حلق ابنه ....

و بهذا وصفه اقبال ..

ليس يدنو الخوف منه أبداً ليس غير الله يخشى أحداً

لحنه في القلب ناراً اشتعلاً من قيود الزوج والولد خلا

معرض عما سوى الله الأحد يضع السكين في حلق الولد

إن من واجبات المسلم إزاء محاولة استئناف الحياة الإسلامية وإرجاع الإسلام إلى الهيمنة من بعد الحدث الهائل في تنحيته هي واجبات واضحة بينة، وأكثر من نراه من المسلمين المتحسرين أصحاب الأماني المتأوهين"يكون عالماً بها، ولا تنهض همته إليها، فلا يزال في حضيض طبعه محبوساً، و قلبه عن كماله الذي خلق له مصدوداً منكوساً، قد أسام نفسه مع الأنعام، راعياً مع الهمل، واستطاب لقيمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل، لا كمن رفع له علم فشمر إليه، وبورك له في تفرده في طريق طلبه، فلزمه و استقام عليه، قد أبت غلبات شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن سبيل يرافقه في سبيله"

فكذلك البرهان الذي يعطيه المسلم علامة لصدقة.

و كذلك حقاً تفعل الأشواق حين تصدق. إ

ن صاحبها حينئذ يأبى إلا الهجرة والانضمام إلى القافلة.

ويذر كل رفيق يثبطه ويزين له إيثار السلامة، إلا داعية يبثه همه، ويتعاون معه على السير في طريق الجهاد، ويعلمه علم البذل و فقه الدعوة والتبشير.

فحيهلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا

ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد و دعه فإن العزم يكفيك حاملا

فينتفض، ويهجر كل قاعد، ويهاجر مع المهاجرين إلى الله ويخطب به ابن تيمية فيقول، ويصف له الطريق و اضحاً:"الحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب"

فيطرح أغلال الشهوات وحب الأموال عن قلبه ويصبح حراً , ويعود يأبى المنخفض الخبت، ويرفض أن تواريه الوديان، ويبتغي المرتفع العالي.

ومن أراد ذلك ارتقى سلم الارتفاع والسمو: الجهاد، و فقه الدعوة.

قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} .

"وقد أخبر سبحانه في كتابه برفع الدرجات في أربعة مواضع. أحدها: هذا. والثاني قوله: {إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنين حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} . والثالث قوله تعالى: {ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} . والرابع قوله تعالى: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة و رحمة} ."

فهذه أربعة مواضع، في ثلاثة منها: الرفعة بالدرجات لأهل الايمان الذي هو العلم النافع و العمل الصالح. و الرابع: الرفعة بالجهاد، فعادت رفعة الدرجات كلها إلى العلم و الجهاد""

ولا تصل إلى هذا العلم وهذا الجهاد إلا بهمة، ومن ثم كانت الهمة باب الدخول، فمن امتلكها لان له كل صعب، واستطاع أن يعيد هذه الأمة إلى الحياة مهما ضمرت فيها معاني الإيمان .. كما قال إقبال:

همم الأحرار تحيي الرمما نفخة الأبرار تحيي الأمما

و بالمقابل جعل رحمه الله: كل داء في سقوط الهمم.

و كذلك أمر المسلمين حين ضاق اليوم، لا يفرجه ويوسعه إلا أصحاب الهمم العالية فحسب. ولذلك كان من تعاليم الإمام حسن البنا:"أن تستصحب دائماً نية الجهاد وحب الشهادة، وأن تستعد لذلك ما وسعك الاستعداد","و أن تعتبر نفسك دائماً جندياً في الثكنة تنتظر الأمر"

وإنه لمعنى يفقهه من ذاق العلو، محجوب عمن يطلب السلامة.

قلت للصقر وهو في الجو عال: اهبط الأرض فالهواء جديب

قال لي الصقر: في جناحي وعزمي وعنان السماء مرعى خصيب

وهذا المرعى لا شك يجهله الأرضيون .. !

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} .

"إنها ثِقلة الأرض، ومطامع الأرض، و تصورات الأرض. ثِقلة الخوف على الحياة والخوف على المال و الخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع. ثقلة الدعة والراحة والاستقرار. ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب. ثقلة اللحم والدم والتراب. والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه: اثاقلتم - وهذه قراءة حفص , وهي أبلغ تصويراً من القراءات التي ورد فيها: تثاقلتم - وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل، ويلقيها بمعنى ألفاظه {اثاقلتم إلى الأرض} ومالها من جاذبية تشد إلى أسفل و تقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق."

أن النفرة للجهاد في سبيل الله انطلاق من قيد الأرض، وارتفاع على ثقلة اللحم والدم، وتحقيق للمعنى العلوي في الإنسان و تغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة، وتطلع إلى الخلود الممتد، وخلاص من الفناء المحدود: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} , وما يحجم ذو عقيدة في الله عن النفرة للجهاد في سبيله إلا و في هذه العقيدة دخل، وفي إيمان صاحبها بها وهن. لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق) . فالنفاق - وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال - وهو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل الله خشية الموت أو الفقر، والآجال بيد الله، والرزق من عند الله، {وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} .

و من ثم يتوجه الخطاب إليهم بالتهديد: {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم، ولا تضروه شيئاً، والله على كل شيء قدير} . والخطاب لقوم معينين في موقف معين، ولكنه عام في مدلوله لكل ذوي عقيدة في الله. والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده، فهو عذاب الدنيا. عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح، والغلبة عليهم للأعداء، والحرمان من الخيرات و استغلالها للمعادين، وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس و الأموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح و الجهاد، و يقدمون على مذابح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء""

لذلك رأى المودودي ضرورة الصراحة , فحسم أمر الهمة بألفاظ يظن القارئ أنها خشنة فقال: (من دواعي الأسف أن الذين عندهم نصيب من القوى الفكرية و القلبية من النوع الأعلى من أفراد أمتنا هم مولعون بإحراز الترقيات الدنيوية، جاهدون في سبيلها ليل نهار، ولا يقبلون في السوق إلا على من يساومهم بأثمان مرتفعة , و ما بلغوا من تعلقهم بالدعوة إلى الاستعداد للتضحية في سبيلها بمنافعهم، بل ولا بمجرد إمكانيات منافعهم. فإذا كنتم ترجون، معتمدين على هذه العاطفة الباردة للتضحية، أن تتغلبوا في الحرب على أولئك المفسدين في الأرض الذين يضحون بالملايين من الجنيهات كل يوم في سبيل غاياتهم الباطلة، فما ذلك إلا حماقة)

وبعد .. فإنا لا زلنا نعطيك جمهرة من أبلغ القول وأحسن الكلام , وقد قال الزاهد الثقة يحيى بن معاذ رحمه الله أن"الكلام الحسن حسن، وأحسن من الكلام: معناه وأحسن من معناه: استعماله"فقم إلى استعماله يرحمك الله:

وخل الهوينا للضعيف ولا تكن نؤوما فإن الحزم ليس بنائم

وهذه كتيبة الحق قد دنت منك في سيرها بنشيد هادر:

قد نهضنا للمعالي و مضى عنا الجمود

و رسمناها خطى للعز و النصر تقود

فتقدم يا أخا الإسلام قد سار الجنود

و مضوا للمجد إن المجد بالعزم يعود

و كأنك قد أصغيت، و استدركت قعودك، و عفت مساعيك لاحراز الترقيات الدنيوية جانباً، وآمنت بأنها آتية إليك دونما جهد وحرص. ثم كأنك أخذت مكانك في الكتيبة السائرة، و بدأت تنشدهم مبايعاً:

مهما عتا الأقزام والأعبد

و لوحوا بالقيد أو هددوا

عن نصرة الإسلام هل أقعد

لا، سوف أبقى دائماً أنشد

بفجره لا بد يأتي الغد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت