ولقد أوذي أصحاب المصطفى الكريم - صلى الله عليه وسلم - حتى فرُّوا بدينهم إلى أرض الحبشة، وهاجروا إلى المدينة، أوذي بلال، وما حصل لبلا ل معروف مشهور، وأوذي خباب، حتى كانت توضع له قدور النحاس في النار حتى تلتهب، ثم توضعُ على ظهره فيشوي ظهره، ويسيلُ منه الودك - وهو الدهن - فجاءَ خبابُ بعد ما مسَّهُ من أذى هو وأصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسدٌُ بُرداً له تحت ظل الكعبة. قالوا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فيقول - عليه الصلاة والسلام - بعد أن يجلس: (( إنَّ من كان قبلكم ينشر أحدهم بمنشار حديد، من مفرق رأسه إلى قديمه، ويمشطُ جسمه بأمشاط الحديد ما بين العظم واللحم، ما يصدهُ ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلاَّ الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) ) [1] .
[1] أخرجه البخاري في كتاب المناقب / باب علامات النبوة في الإسلام 4/ 179، 180. وأبو داود في كتاب الجهاد /باب في الأسير يكره على الكفر (2649) .
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه وبعد.
فلقد كانت فتنة المنافقين من أشدِّ الفتن التي تعرض لها المسلمون في تاريخهم الطويل، ذلك لأنهم يُظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والزندقة، فينخدع الناس بظواهرهم ولا يأخذون حذرهم منهم، مما يهيئ للمنافقين الجو المناسب في المكر بالمسلمين، والكيد لهم وهم لا يشعرون، وهذا بعكس الكافر الواضح، حيث يؤخذ الحذر منه ويجاهد، ولا يُمكَّن له بين المسلمين.
لهذا كان خطر المنافقين في الصف المسلم أخطر بكثير من الكفار المجاهرين للمسلمين بالعداء، ولقد ظهر كيد المنافقين في عهدٍ مبكر مع الرسول e في المدينة، حيث عانى منهم الرسول e والمسلمون الأمرين، وذلك مما يثيرونه من البلابل والكيد والتخاذل ... الخ.