انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرض الإسلام على القبائل، فمر على قبيلة من قبائل العرب يقال لهم بني شيبان، هذه القبيلة تسكن على شواطئ نهر الفرات، أنَّها تجاور الفرس، فعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن، ثم وعدهم أنَّهم إن أسلموا وأطاعوه، أنَّ الله عز وجل يُمكنهم من أهل فارس، ومن ملكهم، ونسائهم وأولادهم، فجاء عدوَّ الله أبو لهب، وإنَّها لعبرةٌ للمعتبر، أن يكونَ الذي يتحمل وزر تشويه دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم - هو عمه؟! فقال: ماذا قال لكم؟ قالوا: قال: كذا وكذا، فقال: إنه مجنون، إنَّه يهذي من أم رأسه، فيقول هؤلاء: لقد علمنا ذلك حينما ذكر ما ذكر من أمر كسرى - ومعنى هذا: إنَّهم قالوا لقد علمنا أنَّهُ مجنون حينما وعدنا أننا نتمكنُ من أرض فارس، ونستعبدهم، ونأخذ أولادهم ونسائهم سبايا.
وتعجبني في هذا كلمة قالها أحد الدارسين لسيرة المصطفى- صلى الله عليه وسلم - إذ قال: إنَّ هؤلاء القوم كانوا من شدةِ ذلهم وخوفهم من كسرى، بحيث إنَّهم لا يصدقون أنَّه بالإمكان أن ينتصروا عليه، أو أن ينتصرَ العرب على الفرس والروم، ولكنه كان وعد الله.
وما أشبه الليلة بالبارحة، فإنَّ العرب اليوم لا يصدقون أبداً، ولا يخطر ببالهم أنَّهُ بالإمكان أن ينتصروا على أعداء الإسلام من اليهود والنصارى، ومن قال بذلك ربما يقولون عنهُ كما قال أبو لهب، وكما قالت بنوا شيبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربما قالوا عنه: إنَّهُ مجنون.