فهرس الكتاب

الصفحة 3312 من 4219

مع الله في حب أهل التقى مع الله في كره قد فجر [1]

فيرى حقيقة ضعف الإنسان وقصوره، ويرثي حاله بألفاظ الحسن البصري، يقلب كفيه، ويرسل دمعته عليه، ويقول معه: (مسكين ابن آدم .. محتوم الأجل، مكتوم الأمل أسير جوعه، صريع شبعه، تؤذيه البقة، وتقتله الشرقة) [2] .يطيل التأمل في هذا الأجل الذي يطوق الإنسان، ويخوف نفسه بحقيقة الموت الآتي المحتوم، ويعير سمعه إلى الفقيه القادري العلوي، إن أعوزته البلاغة، وهو يعظه:

الدهر عن طمع يغر ويخدع وزخارف الدنيا الدنية تطمع

وأعنه الآمال يطلقها الرجأ طمعًا، وأسياف المنية تقطع

والموت آت، والحياة مريرة والناس بعضهم لبعض يتبع

واعلم بأنك عن قليل صائر خبرا، فكن خبرا بخير يسمع [3]

ويظل يرتقي في المشاهدة حتى يستشعر الآخرة من بعد الموت، وتكون رؤيته القلبية لها كالرؤية العيانية، مثل رؤية المحدث الزاهد عبد العزيز بن أبي رواد الذي كان: (كأنه يطلع إلى القيامة) [4] ، فيتردد قلبه بين بشاشة الإطلال على الجنة، ولذعة الإطلاع على النار، حتى يرتجف بدنه طمعًا وخيفة، فيعتقل لسانه عن ذكر الأموال، والقصور والمناصب والنساء، وتصير مجالسه كمجالس الإمام أحمد:

(مجالس آخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا) [5] .

فما يزال بعد ذلك محاصرًا بمشاهد القيامة، وحقيقة الموت القريب، وفضيحة الضعف البشري، فيفر يطلب فهما لحكمة الله أسمى، ويجدد التجرد، يبغي زيادة سكينة تحميه هول المشاهد والحقائق والفضائح، ثم يطلبه أخرى، فأخرى، في تجديد نيات وتوبات، حتى يحلق عاليا، ويبلغ ذروة العيش مع أوامر الله.

(1) للأميري في ديوان مع الله/29، من قصيدة طويلة ألجأنا هذا المقدار الذي اقتبسناه منها إلى بعض التجوز في العروض في البيت.

(2) أدب الدنيا والدين للمارودي /73.

(3) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 429.

(4) تهذيب التهذيب 6/ 339.

(5) مناقب أحمد/214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت