وسئل إبراهيم الخواص الزاهد عن الورع ما هو؟ فقال: (أن لا يتكلم العبد إلا بالحق، غضب أو رضي) [1] . فجعله كل الورع.
لا يعني بذلك نفي صورة أخرى للورع، وإنما راعي حاجة السائل وطبيعة الظرف التي راعاها النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث:
(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) [2] .
فنذكر لصاحب الهفوة المستفزة صوابه الذي قد يطغي عليها، ونرى للأميري المجتهد بذله وتاريخه وسابقاته المنتجة وعطاءه المستمر إذا خالفناه في مذاهبه.
والذي يتأمل الأعمال الجماعية يدرك أن معادن الرجال إنما تستبين في المواطن الحرجة التي تستدعي الفقه والقلب المؤمن، وبمواقفه فيها يرجح ميزانه إلى إحدى الكفتين: الجداره أو الضعف، كمواطن الخلاف العارمة التي يطيش خلالها التعامل، والعذاب والمحن التي لا يصبر لها إلا ملئ الهمة، ومواطن الأغراء وتسهيل كسب الأموال والمناصب التي لا يفضل الانغماس في أعمال الدعوة اليومية عليها إلا من يطل ببصره على جنان عريضة. أما الزلات العادية، واللمم، والحرف الغاضب، والنبرة المنفعلة، وكسل يومين، فلم يبرأ منها أحد، ولا يكاد.
والشريعة كلها قد بنيت على مراعاة هذا التكافؤ، واعتبار هذه القاعدة في الترجيح، ورب الناس يزن بهذا الميزان يوم القيامة، ولكن البعض ينسى.
فمن أراد إتقان أدب الإسلام في الجرح والتعديل: عليه أن يعلم أن: (من قواعد الشرع، والحكمة أيضًا، أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل لغيره، ويعفي عنه ما لا يعفي عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث.
(1) المصدر ذاته والصفحة ذاتها.
(2) صحيح البخاري 1/ 11.