فهرس الكتاب

الصفحة 3333 من 4219

وهذا من المعاني التي تواطأ الناس على تأكيدها، فكان ابن تيمية يقول: (أنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه) [1] .

وفي الشعر القديم:

لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر

وفيه:

*إن الصدور يؤدي غيبها النظر*

وكان الشعر الحديث أجود في تطرقه لهذا المعنى، فقال عبد الوهاب عزام:

إن يكن في الكلام صدق وكذب

ولدى القلب سره المكنون

فعلي الصدق في العيون دليل

وعلى الوجه شاهد لا يمين [2]

أي أنه شاهد لا يكذب.

هذا من مجرد النظر إلى الوجه، فإن انضاف إلى ذلك سماع كلامه: كان الاستدلال أقوى، كما قال الله تعالى:

(ولتعرفنهم في لحن القول)

بل الخبير يعرفهم في لحن السكوت أيضًا، فكم من سكوت يعرف المقابل فيه انطواءه على الغضب، وتربص الفرصة للانتقام والكيد.

فإذا انضاف إلى الكلام فعل، فإن ما في القلب يتضح تمامًا، وإن حلف لك صاحبه ونفي.

ويخبرني عن غائب المرء فعله

كفي الفعل عما غيب المرء مخبرا

وهبه دلس علينا وخدع، أفعلي الله تمر الخداعات؟

وكلا والذي برأ نسمته.

كل مستخف بسر فمن الله بمرأى

لا ترى شيئا على الله من الأشياء يخفي

فالله رقيب حسيب، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، والعاقل من اتفاه، وترك شهواته وهواه.

نسميه تركا، وهو أفضل الجهاد، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أفضل الجهاد: أن يجاهد الرجل نفسه وهواه) [3] .

ولا تستغربن ذلك، فإن قتال الكفر لا ينفر له عبد رياسة أو درهم ودينار.

يقول الثوري: (ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة) .

ورؤياه هذه ظلت تؤرقه، حتى أمسك بقلمه يكتب رسالته المشهورة، إلى صاحبه عباد بن عباد، وإلى كل عباد من الدعاة في كل الأجيال، أن:

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 18/ 272.

(2) ديوان المثاني/ 30.

(3) صحيح الجامع الصغير للألباني 1/ 361.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت