فكل امرئ لاقى الذي كان قدما، وكل امرئ يجزى بما كان ساعيا، وجل حصاد المرء من حيث يزرع.
-خوف تنكر الأرض والمؤمنين للخوالف
فكل امرئ لاقى الذي كان قدما، وكل امرئ يجزى بما كان ساعيا، وجل حصاد المرء من حيث يزرع.
فمن خالف الجماعة فإنه لن يجد إلا وحشة، حتى قال كعب التائب رضي الله عنه: (تنكرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف) .
(فتتنكر له نفسه حتى ما كأنه هو، ولا كأن أهله وأصحابه ومن يشفق عليه بالذين يعرفهم، وهذا سر من الله لا يخفى إلا على من هو ميت القلب) [1] .
(والخوف والهم: مع الريبة، والأمن والسرور: مع البراءة من الذنب.
فما في الأرض أشجع من بري ولا في الأرض أخوف من مريب وهذا القدر قد ينتفع به المؤمن البصير إذا ابتلي به ثم راجع) [2] .
وإنه لمما يحرص عليه المؤمن العاقل أن يكثر من يحبه من المؤمنين، ويديم محبتهم له حتى ساعة موتة، ليصلوا على جنازته فيقولوا: اللهم اغفر لحينا وميتنا، اللهم اغفر لنا وله.
وهذا كما حرص عليه كعب بن مالك التائب رضي الله عنه، فإنه وصف نفسيته أيام المقاطعة فقال:
(ما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو يموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي علي) [3] .
فالذي لم تعجبه قواعدنا وموازيننا وأنوارنا السابقة، ويتأول لخلافه مع ذلك بعض التأويل، مدعو إلى أن يرهب مقاطعتنا له، ألا يموت من غير مستغفر له من الدعاة.
ذلك أن الفقهاء أجازوا لنا ترك السلام على مقارف الذنب، وترك رد السلام عليه، تأديبا له، وخلع البيعة، ونكث العهد، من أكبر الذنوب.
نعم، يجب أن نوقع هذه العقوبة بحذر بالغ، وبأمر الأمير لا بمبادرة من الأتباع، ولكن الفقه أجازها استثناء من الأمر بإفشاء السلام، لتعلقها بمعنى الردع والتأديب.
قال أبو داود:
(إذا كانت الهجرة لله فليس من هذا شيء، وإن عمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل) .
قال: (وابن عمر هجر ابنا له إلى أن مات) [4] .
وقد خصص البخاري أكثر من باب في صحيحه لبيان جواز ذلك فقال:
(1) زاد المعاد 3/ 20.
(2) المصدر السابق.
(3) صحيح البخاري 6/ 88.
(4) سنن أبي داود 2/ 577.