وتاريخنا الإسلامي زاخر بهذه النوعية من الدعاة والقادة الذين قاموا لهذا الدين ونصروه، وكانت هممهم أعلى من أوكار النسور، وأرسخ من الجبال الرواس، ولا شك أن بين المسلمين من يحمل بين جوانحه مثل هذه الهمة ولكنهم قليل.
في كتاب علو الهمة للدكتور الشيخ محمد بن إسماعيل: أن مؤذنًا بلغه أن برج"بيزا"يميل وأنه يكاد يسقط فبدا عليه الحزن وقال: كنت أتمنى أن أؤذن للصلاة من فوقه"."
وهذه همة عالية وطموح جيد وطيب، ونحن لا نشك في فتح هذه البلاد وظهور الإسلام عليها، وإنما متى يكون ذلك؟ هذا تحدده همة الدعاة وعطاؤهم لهذا الدين للتحقق شروط التمكين.
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف/21) .
الثبات على المبادئ من أهم أخلاق الدعاة إلى الله، وهو الخلق الذي يحدو بقلوب المدعوين إلى أتباعهم وسلوك سبيلهم وإتباع طريقهم .. ومعناه أن يلتزم الداعية بالمبادئ التي يدعو إليها، فلا ينبغي أن يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه في قليل أو في كثير، بل يجب أن يكون أكثر الناس التزامًا بدعوته، وثباتا عند الفتن والملمات، وعند مواطن الابتلاءات.
فمثلًا لا يجوز أن يأمر أتباعه باتباع السنة والتمسك بها ثم يجدونه مفرطًا في بعض السنن، وإن ظنها هو بسيطة، كذلك لا ينبغي أن يأمرهم بالصدق ثم يسمعونه يكذب ولو مازحًا، أو يأمرهم بالأمانة ويخون ولو مرة، وينهاهم عن أخذ جوائز السلطان ثم يقبلها، كما يلزمه أن يكون مثالا في الصبر والتحمل من أجل دعوته، فإذا كان خوّارا هيابا عند طروء المحنة ووقت الشدة والفتنة، فهذا يقدح في شخصه وفي دعوته.
وإنما تظهر حقيقة الثبات عند أمرين:
1 -طروء المغريات من مال ومنصب وجاه.
2 -أو عند مقابلة المحن والابتلاءات.
فالمغريات أكثر ما يرد الدعاة عن وجهتهم ويثنيهم عن مبادئهم، خصوصًا إذا لاح من وراء ذلك مصلحة ومنفعة للدعوة.