فهرس الكتاب

الصفحة 3330 من 4219

فالداعية سائح جوال، يشغف ارتياد الربوع الخالية حبا، لكنه يجب أن يأوى إلى أجواء الأخاء الإيماني، وركنها الشديد، ليستروح قلبه، ويستشعر السكينة في ظلال جماعية، كما تعود الأطيار إلى وكناتها ومحط سربها مع كل مغيب لتسكن إلى أشكالها.

لذلك يجب أن يسود الجماعة عرف بالغ الحساسية يستنكر التناجي، ويتعاهد (مجالس الساعة الإيمانية) ، بالإدامة والإحياء، وتعميرها بالفوائد المناسبة لكل مستوى، بحيث يجد فيها القديم المتوغل نوعًا من الأنس والسلوة يقارب ما يجده الناشيء المبتدئ.

مجالسهم مثل الرياض أنيقة لقد طاب منها الريح واللون والطعم

وعلى مجالس الساعة الإيمانية هذه تعول الخطة التربوية، وعلى سمتها الجدي النظامي يجب أن نحافظ، وأن لا نسمع لذي الاجتهاد الغريب أو المخالف المنازع في الرئاسة باستغلالها لمسارة ونجو وتثبيط.

كما كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أحد ولاته وصية جامعة من دون تطويل فقال:

(أما بعد: فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين) [1] .

وهي جملة واحدة موجزة جمعت الخير من أطرافه، ووضعتك أمام حقيقة فاصلة.

فإذا كان أمر الله هو النافذ في هذه الحياة، وقد كتب الله على نفسه أنه لا يصلح عمل المفسدين، ولا يحب كل خوان أثيم، كان ذلك في الكتاب مسطورًا، فلم خدع النفس؟ ولم تمنيتها بانتصار مبني على أوليات ومقدمات فاسدة بينة العوار، صاحبها أدرى الناس باعوجاجها؟

إن هذا الاستشعار بحتمية قدر الله الذي وعد به، إنما هو نور ساطع يحفف جرأة الجريء على مقارنة الافتتان إذا تذكر به حين يجالسه داعية فتنة في ظلمة يسوغ له المشاركة فيما هو فيه، والمؤمن لا يزني ساعة يزني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، وكذلك ينكث بيعة وهو مؤمن.

(1) تاريخ الطبري 6/ 567.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت