فلا يباح للمطرود من صف الجماعة، ولا لعموم الدعاة، أن يتحركوا وفق اجتهادهم أبدًا، لشمول الخطر الناجم عن أخطائهم المحتملة وتعديه إلى كل المسلمين، وكم من مشكلات أتت من قبل صاحب هوى، غوى، فطرد، فأراد التعويض من طريق يظنه قصيرًا، ففشل، فأتعب الناس من بعده.
إن البيعة توجب طاعة الأمير في كل خطوة.
(إلا أن يتعذر استئذانه، لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يجب استئذانه، لأن المصلحة تتعين في قتالهم، والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم.
ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي -صلي الله عليه وسلم- فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجًا من المدينة تبعهم، فقاتلهم من غير إذن، فمدحه النبي -صلي الله عليه وسلم- وقال: خير رجالتنا: سلمة بن الأكوع) [1] .
فافهم أيها المتحمس، وانتظر، فإنما لك من أجر الرباط مثل الذي تظنه من أجر الزحف، وانظر كمينا نصبوه للسذج، يغريهم ويمنيهم برئاسة زحف موهوم.
قيادة الباطل ليست بشيء، ولا لها في العرف والإسلامي قيمة، وإنما هي مجردة من الفضائل، حتى إن نفس صاحب المروءة لتعافها فطرة، وتعتبر إيرادها موضوع مساومة وثمن تأييد من أكبر الإهانة.
وهذا النور أوقده قاضي البصرة المحدث الثقة عبيد الله بن الحسن العنبري المتوفى سنة 168هـ، فكأنه قد دعى إلى خروج عن الطاعة بتمنية من خلابات الرئاسة، فأبى وقال:
(لأن أكون ذنبا في الحق: أحب إلى من أن أكون رأسا في الباطل) [2] .
وما زالت البيعة تميز بين الاثنين هنا، تصف المطيع ومن بويع بالحق، وتضع ناكثها في صف المبطلين.
وإنما ديدن المسلم: الأجر من رب العالمين، والأجر لا يأتيك إلا أن تتملق له بفرض ومندوب ومستحب ومكارم أخلاق، وللوفاء نسب مع كل هذه الدرجات.
3 -أقوال الحق الصادقة لا تكفي لتزكية قائلها تزكية مطلقة
(1) المصدر السابق.
(2) تهذيب التهذيب 7/ 7.